البريق الزائف
1
استيقظت من نومها مذعورة . . . أنه الكابوس ذاته الذي يساورها منذ ثمانية عشر عاما ، أنها امرأة داهمت الأربعين من سنها فقد أظهرت سنين العمر التي قضتها أرملة مع أولادها الثلاثة( أسامة ، حنان و نشأت) التجاعيد في وجهها ويداها وبعض خصال شعرها القصير الذي تغلب عليه الزمن ليصبغه بلون الفضة ، لكن بالرغم من ذلك ما زالت تحتفظ بلمسة من الجمال مقارنة بالنساء اللواتي في عمرها . . التفت يمينا ويسارا . . أنها وحدها في هذه الحجرة الواسعة المضاءة ببعض ما يصلها من ضوء القمر في ليلة صافية مرصعة سمائها بالنجوم . نهضت متوجهة نحو النافذة وهي تجد صعوبة في التنفس . . ليس من هناك من يمنعها عن التنفس ولكنها اعتادت على هذه الحالة عندما تستيقظ من ذلك الكابوس . . فتحت النافذة ووقفت تستنشق الهواء الخارجي من خلالها . أخرجت تنهد من أعماقها كأنها تحاول أن تخرج معه حملا يثقل كاهلها . . امتلأت عيناها السوداء الكبيرتان بدموع ساخنة . . أزاحتها بيدها كي لا تتخذ طريقا إلى وجهها ذو البشرة الحليبية . .أشعلت مصباح كان بجور السرير ثم نظرت إلى الساعة . . كانت العقارب تشير إلى الثالثة وخمس عشر دقيقة . . ارتدت معطفا كان معلقا على عامود من النحاس الأبيض ثم خرجت من الحجرة،متوجهة إلى حجرة أخرى كانت بجوارها.
-” أمي . . كدت تفزعينني ” .
-” أسامة ! . . أعذرني لم أشاء أن أطرق الباب ظنا انك نائم. . “.كان متكأ على سريره يقلب بعض الأوراق.” . لقد جاوزت الثالثة صباحا وأنت مازلت تعمل !”.
-” غدا مرافعتي الأولى في هذه القضية . . وعلى أن أستعد لها كامل الاستعداد “.
-” أتمنى لك التوفيق يا عزيزي . . والآن يكفى تلك الساعات التي قضيتها أمام تلك أوراق، عليك أن تأخذ قسط من الراحة لتعطي عقلك فرصة أكبر في استيعاب ما ستواجهه غدا “.
-” حسنا . . أنت محقة . . هيا إلى النوم ” قالها مبتسما إلى (فخرية حارث) المرأة التي يراها ويراها الذين حولها المرأة الفاضلة لما بذلت من جهد وعناء في تولي أمور أولادها ورعايتهم بعد مقتل زوجها بالعيار الناري نتيجة دفاعه أمام سارق كان يحاول سرقة المنزل . . الجميع يكن لها الاحترام و التقدير لما تناظله . . فقد وهبت عمرها إلى أطفالها بعد الحادثة ولم تصغي إلى كلام الذين حولها في الارتباط ثانية بالرغم من تقدم عدة خطاب . . فقد كانت تملك من الجمال والفتنة ما يجعلها تنافس أي امرأة على الحصول أي رجل . لكنها أبت هذا واستمرت ترعى أولادها وتصرف عليهم على ما تدر المزرعة التي ورثتها من زوجها من الأموال إضافة إلى الأرباح الناتجة من الأسهم الذي اشتراها قبل وفاته من إحدى شركات الاستثمار التي جعلت من حياتهم رغيدة العيش .
-” نعم !” قالتها بعد أن سمعته يناديها. . عاد يشعل المصباح ويتكأ على سريره قائلا :-
-” لدي سؤال فكرت فيه عندما استلمت هذه القضية ، لكن لم أجد الإجابة الشافية له . .”
-” ما هو؟ . . أخبرني به فلعلني أساعدك في أيجاد الجواب الشافي “. قالتها بعد أن اقتربت منه وعلى وجهها ابتسامة خفيفة . . أنه أسامة الذي يلجأ إليها رغم انه تجاوز الرابعة والعشرون من عمره . . أنها ما زالت تذكر كيف كان منذ طفولته . . طفل وديع ثم ولد مشاغب بعدها شاب هادى و الآن رجلا يعتمد عليه يصرف على نفسه من ما يوفره له عمله كمحامي . يملك شخصية قوية لا يرضى بالظلم قط . . تذكر انه عندما كان في الخامسة عشر أحتج لأنها صفعت حنان دفاعا عن نشأت رغم انه هو السبب في الشجار.
-” حسنا . . برأيك ماذا فعل رجلا ليستحق أن يموت طعنا على يدا زوجته ؟ . . . هل أفزعتك بسؤالي ؟” قالها بعد أن لاحظ شحوب بشرتها و اصفرار ابتسامتها وكأن صاعقتا أصابتها لتجعلها جافله لا حراك .
-” كلا ، ولكن سؤالك فاجئني . . ” قالتها بعد أن حدقت بعينيه النرجسيتين التي ورثها من والده كأنها تحاول قراءة أفكاره.
-” نعم . . أنت محقة فمن يتخيل أن أمراه تقتل زوجها في مجتمعنا الذي يعد الدين ركيزته الأساسية المحافظة عليه من الأفكار الغربية “.
-” هل القضية التي تعمل عليها تخص هذه الجريمة ؟”
-” نعم . . أمراه تقتل زوجها بأداة حادة وتتداعى انه أنتحر ” .
-” وأنت . . لصالح من تدافع ؟”
-” لأهل القتيل الذين يطالبون بعقاب قاتلة أبنهم “.
-” ماذا لو أنها بريئة ؟”
-” كيف تكون بريئة وكل الشواهد والبراهين تثبت عكس ذلك ؟”.
-” أذن أنت تبحث عن السبب المقنع لارتكابها الجريمة رغم أنك ضدها؟ ”
-” نعم . .فمنذ استلامي هذه القضية وهذا السؤال يطرح نفسه علي . . ما الذي يجعل تلك المرأة تقتل زوجها علما انه رجل ثري وله مركز مرموق في المجتمع . . “.
-” وطباعه جيده ؟”
-” لست متأكد ، ولكن يقال والله أعلم انه يملك طباع سيئة “.
-” ألا تجد أن هذا سبب كافي لقتله ؟!”
-” كلا بالتأكيد .. أين العدالة أذن لو فعلت كل أمراه ما فعلته هي . . ربما سنمسي بعد عامين الرجل بعشرة نساء “.
-” أنت محق . . حسنا ربما الخيانة الرجل تعد سبب كافي لقتله ”
-” ربما . . و ربما دفاعها عن نفسها عندما تكتشف أنه عرف بأمر خيانتها له ”
-” ربما ” قالتها وهي تتلمس وجنته الحمراء . . أنها لا تريد أن تطيل النقاش معه لإحساسها انه سيتغلب عليها في النهاية .
-” حسنا أمي . . الساعة أشارت ألان إلى الرابعة وعلى أن أنام لغدو نشيطا في الغد . . ”
-” ألان أصبحت أنا من يمنعك عن النوم أليس كذلك ؟”
بادلته الأبتسامه ثم انصرفت بعد أن أسدت له قبلة على جبينه ، متمنية له نوم هانئ . . اتجهت إلى الحجرة المقابلة لحجرته وفتحتها . . أنها حجرة نشأت التي كانت حجرة حنان قبل أن تتزوج . . أقترب من السرير حيث هو نائم عليه . . أنه في مقتبل الشباب بلغ قبل أسبوع سن الثامنة عشر وهو على عكس أسامة في أغلب طبائعه . . متهور ، أناني ، وحاد ويرجع ذلك إلى طريقة معاملة والدته له . . فهو الولد المدلل الذي لا يرفض له طلب .
-” يا صغيري العزيز . . أه لو تعرف كم ناضلت لأجلك ” قالتها هامسة مع نفسها وهي تسترجع صورا ومشاهد من الماضي . . رجل ملقى على الأرض ينزف دما بأثر عيار ناري . . وأمراه شابة تحمل مسدس . . و رجلا أخر في السجن . . . عادت الدموع تغرغر في عيناها . . مسحتها من جديد وهي تحاول أن تغطي نشأت جيدا بالملاءة الموجودة على سريره . . قبلته من جبينه ثم خرجت متوجهة إلى حجرتها وقبل أن تفتحها حدقت نحو باب حجرة تقع في نهاية الممر . . أنها حجرتها السابقة التي تشاركت مع زوجها فيها قبل مقتله . .لقد مضى وقت طويل لم تدخلها فقد استبدلتها بحجرتها الحالية ولم تخرج منها غير ملابسها وحاجياتها . . وفجاءة سمعت صوت منبه الساعة الموجودة في الطابق الأرضي . . أنها ساعة عظيمة على هيئة كوخ . . كانت تشير إلى الرابعة صباحا . . توجهت إلى سريرها لتستسلم إلى النوم الذي بدا يتسلل إلى عيناها .
2
بعد مضي شهران على تلك الليلة . . أنظم أسامة إلى مائدة الغداء والسعادة تغمر قلبه فقد نجح في القضية التي تولها و أصدر حكم العدالة لصالح عائلة القتيل . .وعندما علمت فخرية سبب الفرحة الكبيرة التي أفضى بها لها ولشقيقه الذي شاركهم المائدة سألته قائلة بعد أن هنأته ” وهل من هناك من سبقني في معرفة هذا الخبر ” . . إنها تلمح على ( نور ) خطيبة أسامة التي أرتبط بها منذ سنة وهو بانتظار أن تكمل دراستها الجامعية . . فهي في المرحلة الأخيرة من كلية العلوم الإسلامية . . تعرف عليها عن طريق شقيقته حنان . . أعجب بها، ثم تحول إعجابه إلى حبا بعد أن أكتشف فيها المواهلات التي تمنى أن تملكها فتاة أحلامه من الأخلاق ، الثقافة ، الجمال و النسب . .عارضت والدته هذا الارتباط في البداية متعللة أن هناك فتاة افضل منها تستحق أن يرتبط بها، ولكن في النهاية رضخت لطلبه ووافقت عليها وتوجهت إلى بيت نور لخطبتها وتمت الخطبة وسيتم الزواج بعد أن تحصل نور على شهادة تخرجها .
-” نعم . . نور قد علمت بالأمر . . قد صادفت إنها اتصلت بي عند وصولي إلى المكتب بعد خروجي من المحكمة وقد أخبرتها بالآمر ” قالها مترددا شاعرا انه كان من الواجب أن تشاركه أولا أمه بالفرحة . . نظرت أليه وفي عينها تأنيبا على تصرفه . . أنها فخرية حارث بوجه أخر . . وجه أعتاد عليه من يحاول جرحها وتخطي حدوده معها . . البرود ونظرات ثاقبة كأنها سهام تتجه نحو عيني خصمها . . أن خصمها يمكن أن يكون أي شخص حتى أحد أولادها .
أسامة ونشأت يذكران هذا الوجه الذي ارتدته عندما أبدت حنان معارضتها على زوجها الذي تقدم طالبا يداها . . ورغم تذمر حنان ووقوف أسامة إلى جانبها إلى إنها في النهاية رضخت لأمر زواجها بعد أن صرخت فخرية في وجه حنان مهددا أيها بأنها ستكون السبب في شقاق هذه العائلة جاعلتا منها تشعر بضعف أمام كلماتها و بفقدانها الثقة بنفسها بالرغم من أنها تشبه والدتها بمظهرها الخارجي عندما كانت في سنها ،جميلة الوجه والابتسامة ، رشيقة القوام . . وعندما فقدت الأمل ترجت من أسامة أن يتوقف عن مساندتها ظاهرة له إنها وافقت من أعماق قلبها على العريس الذي اختارته لها والدته بدت فخرية حينها قاسية جدا وكأنها تملك قلب من صخر لا ينفطر على أنين أبنتها التي كانت تعارض هذا الزواج مطالبة في حقها أن تكمل دراستها الجامعية كبقية صديقتها. . ومنذ ذلك الوقت شعر أسامة وحنان بقسوة ذلك الوجه على خلاف نشأت الذي كان يراه كله عدلا وحكمة . . كيف لا يراه كذلك وهو المدلل لديها ؟ .
نهض أسامة من كرسيه ليتحاشى تلك النظرات متعللا انه قد شبع رغم انه لم يأكل إلا القليل من الطعام لكن فخرية استوقفته قائلة بصوت حاد ” أسامة . .ساعة الصالة معطلة خذها إلى المصلح”
أنه يدرك أن هذا الأمر يعد كنوع من العقاب ، لكنه لا يهتم إن عوقب بل يهتم بأن ينال سماحها فبالرغم من كل شيء هو يحبها ويرجو أن ينال رضاها . . هذه هي السياسة التي أتبعتها والدته في التعامل معهم .
-” أنها ساعة قديمه لم لا تبيعيها و تشتري ساعة حديثة الصنع ؟” قالها نشأت بازدراء . . هكذا هو يعشق الحديث من الأثاث والملابس على ( المودة ) .
-” لا أفكر في بيعها لأنها . . . ” سكتت ولم تكمل جملتها كأن شيء أسكتها وجعلها شاردة الذهن ، ممحوقة اللون . .لقد تذكرت شيء نسته منذ ثمانية عشر عاما . . بحثت عنه طيلة تلك المدة ولكنها لم تعثر عليه ، لكنها تذكرت ألان إنها وضعت ذلك الشيء في كوخ الساعة الذي يفتح سقفه . . أنه كوخ يتسع لوضع علبتان من التونة أو لذلك الشيء المفقود .
-” أمي . . هل أنت بخير ؟” قالها أسامة ونشأت بعد أن لاحظوا التغيرات التي طرأت عليها فجأة.
-” نعم . . أنا . . أنا بخير ” قالتها بصوت خافت. . ثم أضافت ” أسامة . . دعك من الساعة سأتولى أنا أمرها . .” نهضت متوجهة إلى الممر الذي يقاطع جميع حجر الطابق الأرضي حيث الساعة المسندة إلى أحد جدرانه . . توقفت أمامها تنظر إليها بإمعان . . كيف نست أمر هذه الساعة وهي تسمع دقات عقاربها على الدوام . . هذا ما فكرت فيه . . . سمعت خطوات أقدام ولديها تقترب منها . . أنهما في المنزل ويجب أن لا يروا ذلك الشيء أو يعرفوا بأمره . . التفتت إليهم مستفسرة عن سبب ملحقتها إلا أن نشأت اخبرها بأنهم ودوا أن يطمئنوا عليها، لكنها أظهرت لهم ابتسامة مصطنعة قائلة:-
-” أنا بخير. . كل ما هناك أنني . .”. . إنها تبحث عن عذرا لتغيرها الذي اكتشفت إن ولداها قد فطنا له . . وفجأة خطر لها هذا العذر مضيفة ” . . أنني تذكرت والدكما . . انه من جلب هذه الساعة وقد أسندها هو بيديه على هذا الجدار “.
-” عذرا أمي . . لا أظن أن نشأت كان يعني ما يقوله حول أمر بيعها . . أليس كذلك يا نشأت ؟”.
-” نعم ، بالتأكيد . لو علمت أن ذكرى والدي تسبب لكي هذه الآلام لما قلت لك هذا .. أعدك أنني من سيتولى أمر إصلاحها ؟”
-” لا . . لا تعدني بشيء . . قلت أنني من سيتولى أمرها . . وألان انصرفا إلى حجرتكما . . هيا. . أرغب في أن أختلي مع نفسي “.
تركاها أمام الساعة متوجهين إلى الطابق الأعلى وأثناء سيرهما في الممر الذي يؤدي إلى حجرة كل منهما قال نشأت بصوت لا تسمعه والدته ” ساعة تثير كل هذه الآلام !. . ماذا لو كانت كنبة . . يا الهي كانا ربما سنجلب لها طبيب ” . . أنه هكذا دوما ساخر من الذين حوله حتى لو كانت والدته .
-” نشأت . . عيبٌ عليك قول هذا “.
-” حسنا . . حسنا . . لا اقصد ما قلته . . كل الذي يثير سؤالي هو أن والدتي لم تتألم على أبي آلا عندما تذكرت الساعة . . ماذا عن حجرته التي لم نراها يوما تدخلها “.
-” وما أدراك بهذا ؟. . ربما تدخلها في غيابنا”.
-” لو كان هذا صحيح لرتبتها وأزالت تلك الأتربة المغطية لأثاثها “.
-” هل دخلتها ؟!”. . انهم لا يدخلون تلك الحجرة تنفيذا لأمراً والدتهما رغم أنهم طالما تمنوا رؤيتها منذ الصغر ومع الأيام وانشغالهم بأمور الحياة نسوا وجودها .
-” كلا لم أدخلها ولكنني رأيتها من خلال شرفتها . .سقوط الكرة على الشرفة هو الدافع الحقيقي لتسلقي جدار الحديقة للوصول إليها . .في البداية كنت راغب في جلب تلك الكرة ولكن بعد أن رأيت جزء صغير من ستائر بابها يمكن من خلاله رؤية داخل الحجرة . .رغبة الفضول انتابتني في رويتها . . لقد كانت مبعثرة ، أحد أبواب الخزانة مفتوح . . أنها حجرة مهملة أن لم تهتم بها أمنا ” قالها وهو يحدق في عيني أسامة ، ثم دخل حجرته تاركا إياه في دوامة من الأفكار والتساؤلات .
3
كان الوقت قد جاوز الثانية صباحا عندما نهض أسامة من سريره شاعرا انه قد فقد الرغبة في النوم . فبعد حديث نشأت عن حجرة والده تسلل الفضول إلى قلبه في رؤيتها فخرج من حجرته يسير بخطى بطيئة عازما على أتباع الطريقة التي تبناها نشأت دون أن يعلم به أحد حاملا (نعليه) بيديه ، وبينما هو يحاول الهبوط من السلم لمح والدته واقفة قرب الساعة تحاول إخراج شيء من كوخها . . ظل يختلس النظر بوضوح دون أن تشعر بوجوده حتى أخرجت ذلك الشيء الذي نوت إخراجه تحت ستار الليل عندما يكون ولداها في سكرة النوم . . لكن القدر حال عن تفكيرها فساق لها أسامة ليرى الشيء الذي وجدته بعد تلك الأعوام المنصرمة .
تسارعت نبضات قلبه وجف ريقه عندما أيقن ما تراه عينيه . .والدته تحمل مسدس . .لقد ميزه رغم الإضاءة الخافتة . . أنه لا يرى ذلك الشيء إلا في المحاكم عندما يستخدم كدليل قاطع على الجريمة لكنه الآن يراه في يد والدته . .لم يفكر حينها إلا بالهرب ليس خوفا من المسدس بل خوفا من حامله كأنه نكر تلك المرأة وبدت له أمراه لا يعرفها اقتحمت منزله لتأخذ شيء يعود إليها . . عاد إلى حجرته دون أن تكشف وجوده . .أغلق بابه بهدوء وتوجه إلى سريره مباشرة . . كان يصب عرقاً ويداه وبقية أشلاء جسده ترتعش ليس فقط ما رآه منذ لحظات بل ما تذكره منذ صغره من مشهد ظن أنه كابوس لا يمس الواقع بشيء ، لكنه الآن أيقن انه لم يكن كذلك بل كان حقيقة مؤلمة يصعب العقل تصديقها . .كانت صورٌ التقطتها عدسة عينيه وحفظها عقله في البوم من الذكريات . . صورٌ لشابة جميلة تحمل مسدس موجها نحو صدر رجل في مقتبل الشباب . . فتح عينيه وهي مغمورةٌ بالدموع وهمس بكلمات ثم فقد وعيه وهذه الكلمات كونت سؤال هو ” لماذا قتلتي والدي يا أمي ؟” .
4
أستيقظ أسامة على صوت نشأت الذي يردد أسمه طالبا منه النهوض . . نظر إليه مستغربا ثم التفت يمينا ويسارا سائلا إياه عن والدتهم فأجابه إنها في المطبخ تعد الإفطار كالعادة ثم أضاف قائلا وهو يتلمس جبين شقيقه ” هل أنت بخير! ” .
-” نعم . . لماذا هذا السؤال ؟”
-” يبدو لي أنك لم تنام الليل ؟”
-” في الحقيقة أجهل أن كنت نام أم لا ! ” أن الشك يراوده في أن ما رآه ليلة أمس كان حقيقي أم مجرد كابوس . . ففقدانه لوعيه يعد كستار يجهل ما خلفه .
وبعد مرور لحظات دخل إلى المطبخ وجلس حول المائدة بعد أن ألقى تحية الصباح وسمع ردها من والدته . . أخذ يراقبها . . بدت طبيعية ، نشيطة وكأن نومها المتأخر ليلة أمس لم يعيقها عن النهوض مبكرة . . التفت إليه مبتسمة قائلة :-
-” أظن نشأت قد عداك في النهوض متأخراً . . ”
-” كلا . .كنت متعب وبحاجة إلى النوم ” قالها مبتسما كأنه شعر أن ما رآه ليلة أمس كان مجرد كابوس راوده في نومه . .وبينما هو على وشك الخروج من المطبخ بعد أن انتهى من الإفطار سمع والدته تنطق باسمه . . التفت إليها ملبياً ندائها. . ” أسامة . . لما لم أنت حافي القدمين ! ” قالتها وهي تنظر إلى قدميه . .
-” كان النوم في عيني ولم أنتبه إلى ذلك . .”
-” حسنا . . أرتدي ( نعليك) أنه في خزانة الأحذية الموجودة قرب الباب ” قالتها وهي تنهض من المائدة متجهة إلى المغسلة .
-” لم أضعه هناك ! ”
-” أنا من فعل . .فقد وجدته صباح اليوم قرب السلم ”
-” في الطابق العلوي ! ”
-” نعم ” وقع جوبها على رأسه كصاعقة جعلته يقف صامتا لا حركة فيه محقا نحو والدته . . لقد أيقن ألان أن ما رآه كان حقيقة لا شك فيها . . نظر إليه نشأت الذي لم ينتهي من إفطاره بعد وعلى وجهه علامة الاستغراب قائلا :-
-” ماذا جرى لك يا أسامة ، لما تحدق في أمي هكذا ” التفت فخرية إلى ولداها مستغربة لما تسمع من نشأت ومن نظرات أسامة نحوها . . اقتربت منه ووضعت يداها على كتفيه قائلة :-
-” هل أنت بخير . . ” كأن يشعر انه كقطعة من الثلج عاجزا عن التحرك ، لكنه في النهاية استطاع الرجوع إلى الخلف عدة خطوات مبتعدا عن يدي والدته قائلا بصوت مضطرب :-
-” نعم . . ” أسرع مباشرة إلى حجرته واغلق بابه بالمفتاح تاركا خلفه والدته وشقيقه في حيرة من أمره. . . تذكر النقاش الذي دار بينه وبينها منذ شهرين عندما سألها عن الدافع الذي يجعل من امرأة تقدم على قتل زوجته . . أخذ قولها ” ربما الخيانة الرجل تعد سبب كافي لقتله ” تتردد على مسمعه عدة مرات . . أيمكن إن والده أقدم على خيانة والدته وهي بدورها قتلته . . ولكن أن كان هذا صحيح فلماذا عندما تتحدث عنه تذكره بالخير وترسم له صورة جميلة أمامهم . . أيمكن إنها ندمت على ما ارتكبته ، ولكن أين العدالة في هذا ؟ . .هذا ما فكر فيه أسامة . . وفجأة جاءت فكرة أخرى في رأسه . . فكرة ماذا لو إن والده أكتشف أن والدته تخونه مع أخر وأنها قتلته دفاعا عن نفسها . . أذن والده ضحية لا يستحق ما جرى له . . استمرت الأفكار السوداء تنهال عليه من كل الجهات وهو غارقاً فيها لا يعرف ماذا يفعل . . وفي النهاية توصل إلى أن يبدأ بأول خطوة لكشف الحقيقة وهي أن يجد المسدس الذي كانت تحمله والدته ، لكن عليه أن يتصرف طبيعيا كي لا تشك في انه رآها تخرجه من المكان الذي خبأته فيه.
خرج من حجرته بعد أن قضى عدة ساعات فيها غالقا بابها ومن خلفها كانت والدته وشقيقه يحاولون من حين إلى أخر أن يفتح لهم الباب ليطمئنوا عليه ، لكنه كان يعتذر عن ذلك متعللا انه يريد الاختلاء مع نفسه . .
-” أسامة . . “قالتها والدته وهي تعانقه بعد أن رأته يدخل حجرة المعيشة التي كانت جالسة فيها ” . .هل أنت بخير يا عزيزي ؟”
-” نعم ” قالها وهو يتمعن ملامح وجهها المتسائل عما يحدث له .
-” لقد أثرت قلقنا . . ماذا حدث لك ؟”
-” كما أخبرتكم . . كنت بحاجة إلى الاختلاء مع نفسي قليلا . . لا أرى نشأت ! ”
-” لقد خرج مع صديقه الذي أرد أن يصطحبه في نزهة . . أسامة لا تتهرب مني . . إنها المرة الأولى التي أراك فيها بهذا الحال ! ”
-” أي حال ؟”
-” مضطرب ، شاحب اللون . . باختصار . . ماذا يجول في رأسك ؟” قالتها وهي تتفرس ملامح وجهه المضطرب . . أنه فاقد قدرة التحكم على ملامحه لان مجرد فكرة إن والدته يمكن أن تكون قاتلة والده تجعله يخالها تمثل عليه الوالدة الحنونة التي لا تستطيع تحمل آلام ولدها .
-” أعدك أنني سأخبرك ، لكن ليس ألان . . ” قالها وهو يتمعن النظر في عيناها المتوهجة ببريق أرتعش منه . .
4
صوت الرعد يدوي المكان وضوء البرق يشق نيون مضيء في عباءة الليل الممتلئة بالغيوم المحملة بالمطر. . أنها ليلة من ليالي الشتاء الطويل ، والساعة قاربت الثالثة صباحا حيث يكون الناس في فراشهم الدافئ ينعمون بالنوم العميق . . لكن أسامة رفض النوم هذه الليلة أو أن النوم رفضه فقد خرج من حجرته يسير على أطراف أنامله ، عازما على التوجه إلى الساعة لعله يجد المسدس الذي ربما لم تغير والدته مكانه . . لكن ظنه خاب، فالمسدس لم يكن هناك ، عندها أخذ يفكر إن والدته ربما خبأته في حجرتها لكي لا تصل أليه يد إلى يداها . . بالتأكيد تفعل ذلك وهو سلاح جريمتها . . أفكارا أخرى داهمت رأسه وهو واقفا نفس وقفة والدته ليلة أمس . .والفرق بين الوقفتين أن الأولى تعود لشخص يعرف ما حدث ليلة الحادث والأخرى لشخص يجهلها ويريد أن يكتشف ما حدث بنفسه . . جلس على الأريكة محاولا ترتيب أفكاره بعد أن شعر أنه في دوامة عظيمة . . و فجأة اتجهت عيناه إلى خزانة الأحذية حيث( نعليه ) الذي لم يخرجه منها . . لما لا يستغل نوم والدته وشقيقه ويذهب إلى رؤية حجرة والده . . هذا ما فكر فيه حينها ولم يلبث إلا لحظات حتى جلب من خزانة الأدوات الاحتياطية سلك معدني يستخدمه في فتح باب الشرفة . . فقد أيقن أنه قد يصدر صوتا إذا حاول فتح باب الحجرة باستخدامه لذا عليه أن يدخل الحجرة من خلال فتح باب شرفتها ، ورغم صعوبة الظروف الطبيعية المحيطة به من انهمار الأمطار وبرودة الجو إلا أنه لم يستسلم واستعان إلى عضلاته المفتولة في تسلق الجدار وصولا إلى الشرفة . .أدخل السلك المعدني في الموضع الذي يدُخل فيه المفتاح وبدء يحركه يمينا وشمالا عدة مرات . . لم يشعر ببرودة الجو أو تبلل شعره وملابسه بالمطر الذي ينهمل عليه فكل ما كان يشغله هو فتح ذلك الباب اللعين الذي خلفه أشياء يتوق إلى رؤيتها بعينيه النرجسيتين . .وما هي إلا لحظات حتى تمكن من فتح الباب . . شعر برعشة تجتاح جسده جاعلتا منه يشعر بنوع من الخوف . . الخوف مما يمكن إن يراه في تلك الحجرة . . أنها الحجرة التي قتل بها والده . . تسلل بخطوات بطيئة نحو وسط الحجرة بعد أن استطاع أن يميز السرير وقطع الأثاث الأخرى بواسطة شمعة البرق التي تنير السماء من حين إلى أخر في هذه الليلة الممطرة . . أشعل مصباح كان بالقرب من السرير . . نظر بعينيه نظرة شملت ما حوله ثم توقفت عند لوحة معلقة على أحد الجدران . . أنها صورا لوالده وهو يعانق والدته في حفل زفافهما . . أقترب منها متمعناً إياها . . كان يمكنه وكذلك لأي شخص أخر أن يتنبأ لهما السعادة عندما يرى الابتسامة المرتسمة على وجهيهما. . ولكن ما الذي حدث بعد مرور ثماني أعوام لينتهي هذا الزواج إلى ما هو عليه . . هذا ما فكر فيه . .وهو يلاحظ الشبه الكبير بينه وبين والده من حيث بعض ملامح الوجه ، لقد كان والده يبلغ الخامسة والعشرون ووالدته تبلغ الرابعة عشر من سنهما عندما التقطا هذه الصورة . . أن والدته حقا كانت جميلة عندما كانت شابة وربما شعر والده حينها انه إنسان محظوظ بالارتباط بها . ومن الصعب تخيل إن هذه المرأة الرقيقة يمكن أن تتحول إلى وحش يفترس والده . ولكن ليس من هناك شيء أسمه مستحيل .
5
عاد أسامة إلى حجرته بعد أن استطلع على تلك الحجرة ، ولم يجد شيء يؤكد له شكه ، لكنه لم يفكر في أبعاد هذا الشك عن عقله بل زاده إصرارا في معرفة ما حدث ليلة الحادثة . . وفي صباح اليوم التالي نهض من سريره حالما شعر بوقع أقدام والدته في الممر وهي تحاول التوجه إلى الطابق الأرضي حيث المطبخ كعادتها . . فهو لم يذق طعم النوم في ليلة أمس وقضى الوقت في التفكير والتخيلات التي اجتاحت عقله حينها . . وبينما هو يخرج من حجرته داهمته فكرة تفتيش حجرة والدته ألان بينما هي منشغلة في أعداد الفطور ، لكنه تراجع حذرا من أن يكتشفه نشأت أو أن الصدفة قد تقود والدته في الصعود إلى حجرتها لسبب ما وفي النهاية فكر في وقت تكون والدته وشقيقه خارج المنزل ولا تتحقق هذه الفرصة إلا في الوقت الذي تذهب فيه إلى زيارة شقيقته حنان حيث تقضي معها عدة ساعات وان يصادف هذا الوقت انصراف نشأت إلى ثانويته . . وبالفعل طرح على والدته فكرة زيارة حنان للاطمئنان على حملها ووافقت للفكرة .
6
حجرة مرتبة وذات أثاث منسق . . أنها حجرة والدته . . فقد عاد إلى المنزل بعد هاتف تلفونهم وأدرك من عدم وجود شخص في المنزل يرد عليه وبهذا أقفل راجعا للمنزل بعد خروجه منه لفترة قصيرة . . . توجه مباشرة إلى الخزانة أخذ يفتش فيها بدقه لكنه لم يرنو إليه ثم أنصرف إلى الأدراج والخزانات الصغيرة المجاورة للسرير لكنه لم يجد شيء أيضا . . . اخذ يلتفت إلى ما حوله سائلا عقله أين يمكن لوالدته أن تضع المسدس . . وفجأة توقفت عيناه نحو صورتاً لوالدته معلقة على أحد الجدران وقد التقطتها بفستان الزفاف . . أقترب منها وأثر الدهشة على وجهه . . أنها نفس الابتسامة والنظرات والوقفة والحركة . . أنها نسخة للصورة التي شاهدها ليلة أمس في حجرة والدة ولكن أين صورة والده ما كل هذا ؟ . . كان من المفترض أن يكون بجوار عروسه كما في تلك الصورة . . أيمكن أن تكون والدته قد قطعت الجزء الآخر من الصورة الخاص لوالده ؟. . هذا ما سيكتشفه إذا أزال الإطار الذي حولها . . لكنه عندما رفع الصورة جاءته مفاجئة لم تخطر على باله يوما . . وربما لا تخطر على بال شخص لا يتابع الأفلام السينمائية فكرة وجود خزانة حديدية في الجدار خلف الصورة . . لم تعد الصورة تشغل حيز من الفضول بالنسبة لأسامة بقدر فضوله لمعرفة ما تحوي تلك الخزانة وهل يمكن لوالدته قد احتفظت بالمسدس داخل هذه الخزانة ؟. . أنها خزانة مقفولة بعدد معين من الأرقام يمكن فتحها إذا حرك تلك الأرقام على مؤشر العجلة الموجودة على بابها ، والمشكلة تكمن هنا طرقت في باله فكرة تاريخ مواليد والدته فتاريخ مولدها يعد من التواريخ التي على باله وعلى بال نشأت وحنان . . فهو يذكر كيف فاجئوا والدتهم في العام الماضي بعيد مولدها وقد أقتنى وشاح كهدية لها بهذه المناسبة . . . أخذ يحرك الأرقام المكونة له ، لكنه لم ينجح . . رغم صعوبة الآمر إلا أنه لم ييئس . . فكر في تاريخ مولده كتاريخ أول مولد أول ولدها البكر ، لكنه لم ينجح أيضا . . وماذا عن تاريخ مولد نشأت الذي مر قبل مدة وجيزة . . أخذ يجرب أرقامه وإذا به تمكن من فتح الخزانة . . شعر بنوع من السعادة لتخطيه هذه المهمة بسهولة . . كانت الخزانة مكونة من رف ودرج . . ومن حسن حظه أن الدرج يفتح دون الحاجة إلى مفتاح . . توجهت يداها مباشرتاً نحو الدرج . . فتحه وكان كما توقع . . المسدس موضوع فيه أراد رفعه لكن يداها لم تستجرأ . أنه أداة الجريمة التي استخدمته والدته لقتل والده وعليه بصماتها أن صح شكه . . أنه حتى ألان لم يعر لما شاهده في طفولته أهمية تجعله موقن لإدانتها . ذلك لاعتقاده بعدم وجود جريمة كاملة . . رفع المسدس بأحد المناديل الورقية وعاد يقفل الخزانة من جديد. . وضع المسدس في الحقيبة وخرج من المنزل متجها إلى أحد أصدقائه الذين يعملون في قسم الجنايات . . أنه يريد أن يعرف قطر فوهة المسدس والتأكد من البصمات الموجودة عليه .لكن صديقه قد أخبره بقطر الفوهة وأن خزينة طلقاته ينقص لرصاصتين يمكن إنها أطلقت سابقا أما بالنسبة للبصمات الموجودة عليه فهذا يتطلب يومان على الأقل لكشفها ومطبقتها للبصمات التي سيجلبها له أسامة . . وفي هذا الوقت الذي تستغرقه كشف البصمات ومطابقتها فكر أسامة في قراءة ملف القضية الخاصة لوالده والتي أقفلت ضد مجهول ، وذلك معاونة أحد أصدقائه أيضا الذي يعمل في هذا المجال .
7
كانت شمس الشتاء ساطعة في سماء الصباح ، والساعة تشير إلى الحادية عشر عندما رن جرس الهاتف في منزل فخرية . . رفعته . . جاءها صوت ناعم لفتاة يقدر عمرها عشرون . . إنها نور المتصلة . فقد مضى أسبوع كامل ولم يزورها أسامة أو يتصل بها كعادته مما جعلها تشعر بالقلق . . فهو لم يخبره بالذي يشغله علماً منه أنه أمر خاص جدا ولا يجب لأحد أن يطلع عليه .
-” أهل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ