Yahoo!
الموقع الرسمي لــــ رشا عبد الكريم الصيدلي

درس صامت ..قصة قصيرة

كتبها رشا عبد الكريم الصيدلي ، في 11 أيار 2011 الساعة: 07:27 ص

قصة قصيرة

رشا الصيدلي

درس صامت

منذ بدء معرفتهما وتوطد علاقتهما كخطيبين أخبرته أنها لا تطيق أن يشاركها
أحد في ممتلكاتها ..فهي ترفض إعارة شقيقاتها بعض من ملابسها أو حليها ولا تسمح
لأحدهن أن تشاركها سريرها أو حتى غرفتها ، حتى صديقتها المفضلة لم تكن على علاقة
قويه بأخريات غيرها ..هكذا هي  منذ طفولتها
، إن ملكت شيء لا تفرط به ولا تسمح لأخر بمشاركته إياها ..ولكم حاولت والدتها
ثنيها أو تغير شيء بسيط من طبعها الذي وصفته بالأنانية ، إلا إنها لم تفلح ، وراحت
كل كلماتها وتوبيخها في سلم تخطوه الأقدام إلى الأسفل ، حتى يئست مدركة أن الحياة
ستعلم أبنتها ما لم تعلمه إياها .

كان هو بدوره يبتسم ويشعر بغيرتها عليه عندما تخبره إنها لا تسمح لإحداهن
بمشاركته ، وإن أقدم يوما بالزواج من أخرى فأن ذلك بمثابة سكين حادا استهدفت قلبها.

 وفي لحظة صفا بعد شهر من زواجهما وبينما
كانا ممددين على السرير اتكأت  برأسها على
صدره قائله " امتلاك الشيء أمر رائع ..وقلبك ليس شيء وإنما كل شيء " .

امتدت يداها تمسد خصال شعرها قائلا وهو ينظر إلى السقف وابتسامة تلوح وجهه
" قلبي سيبقى عندك فحافظي عليه دون قيود " .

ابتسمت ممازحة " سأحافظ عليه لكن إياه الهروب " .

تمتم بهدوء " لن يهرب ..فهو يحبك "

شعرت بإصرار كبير في متابعة هكذا حديثا ، فتساءلت " وماذا لو فعلها وهرب…عندها
سيستحق العقاب أليس كذلك ؟".

حاول إنهاء الكلام بشيء من العزم" لن يهرب " .

أيدته " حسنا ..لن يهرب .." وأضافت بتحايل " ..لكن لنفرض أنه
هرب ، فأي عقاب يستحق…الموت أظنه الحل الأمثل إن تركني قلبك وأحب أخرى فهذا يعني
موتي ..والعين بالعين ".

أبعد رأسها عن كتفيه ونهض ينظر لها بتعجب قائلا " وهل ستقدمين على
قتلي !"

ابتسمت بمكر مجيبة وهي تمسد صدره بشيء من الأغراء " لمَ الفزع فأنت لن
تخونني ! ..إننا نفترض ليس إلا، ثم أنظر كم أنا أحب الديمقراطية سأمنحك الحرية في
اختيار طريقة الموت التي تفضلها..أليس هذا كرم مني ؟" .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نكران ..قصة قصيرة بقلمي

كتبها رشا عبد الكريم الصيدلي ، في 17 شباط 2011 الساعة: 14:32 م


نـكـران

قصة قصيرة 
رشا الصيدلي 
 

لم أرَ والدي يوما ، ولولا معارضة العجوز لتخلت عني أمي لميتم !
تربيت في كنف العجوز ودعوتها بالجدة لما تلقيت منها الرعاية والدلال ، كان بيتنا كبير اًويضم غرفاً كثيرة ، وكانت جميع بنات الجدة حتى أمي متزوجات من رجال لا أراهم إلا في الصباح الباكر عندما يخرجون من الدار.
لم يكن في البيت صغار ألعب معهم ، بل كنت الطفلة الوحيدة فيه ،وكانت الجدة تمنعني من الخروج منه إلا برفقتها عندما تذهب للتسوق ، ورغم ما منحتني إياه من الرعاية والدفء ، إلا أنني كنت دائمة الشكوى والامتعاض من أمي التي ترمقني بنظرات تحمل بين طياتها غضباً أجهله ، ورغم معرفتي برغبتها في التخلي عني منذ الصغر ، إلا أنه لم يمنعني من التمني بمناداتها أمي ، فضممت تلك الأمنية في صدري ودفنتها كما تدفن السلحفاة بيوضها في الرمال على أمل أن يفقسن يوما ، وهذا ما كنت أتطلع إليه عندما أفتح عيني كل صباح ، كنت أسرع للوقوف في زاوية أختلس فيها النظر إلى زوجها الذي يخرج من حجرتها بهندام مرتب ، وهي ترافقه السير تشمله بنظرات مبتسمة، لطالما حلمت بها .
أما دفء أحضانها فهذا ما كنت أجرؤ تخيله ، فهو أمر من المستحيل تصوره، أن تضمني في صدرها وتمسد ضفائري.
لا أذكر أنها تكلمت معي يوماً ، كانت فقط ترمقني بنظرات ترعد أوصالي وتشل أفكاري لتدخلني في دوامة أخرج منها بسؤال واحد فقط ، لماذا تنكرني ؟
لا أنسى ملامح وجهها الغاضب عندما شدت جدتي شالا أحمرَ حول خصري وصفقت تشجعني على الرقص والبهجة تلمع في عينيها وعيني بناتها ، كنت أحاول الابتسام لها رغم شعوري أن نظراتها تثقب ظهري بما كنته من سهام مجهولة هويتها ! .
كبرت وأصبحت في الرابعة عشرة، وبرزت مفاتن أنوثتي كتفتح بتلات الورود، كنت أزهو بغرور متطلعة لنظرات الشبان حولي ، منهم من يرمي بغزل على مسمعي ، ومنهم من كان يتبعني وجدتي إلى دارنا ، و ما إن تراهم حتى يتجهم وجهها, كنت أجهل ما يجري حولي , ولا أفطن الكثير عن عالمي, ولا أعلم لماذا تشاجرت أمي مع الجدة قبل أن تقدم لي الأخيرة فستاناً أبيض تحثني على ارتدائه بعد أن زينت إحدى بناتها شعري..ووضعت الألوان على وجهي !
كنت أسمع نحيب أمي تبكي والجدة تسوقني إلى إحدى الحجر لأرى شاباً بهي الطلعة كان ينتظرني .
ودعتني من رعتني هامسة في أذني :" ليلة سعيدة يا أجمل عروسا " .
اقترب مني الشاب وابتسامة غامضة تعلو ملامحه , تساءلت هل بت عروساً؟ هل أصبح هذا الشاب زوجي ؟ لكن ماذا عساي فعله ؟ فكل ما تعلمته من الجدة عن عالم الرجال شيئا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قسم وهرة ..الجزء السادس والاخير

كتبها رشا عبد الكريم الصيدلي ، في 12 كانون الثاني 2011 الساعة: 11:12 ص


22
حجرة كبيرة المساحة فرشت ارضها بسجاد احمر وقد توزعت في اطرافها افرشة من القطن وعلى احدها كان قسم ممددا وهو مغطى بملاءة زهرية اللون ..فقد نجا من الحادثة بسلام ورجع إلى الدار وهو راقدا الان في حجرة الضيوف في دار اهله بعد ان مكث 7 ايام في العناية المركزة ثم تلتها 7 ايام تحت الرقابه في المشفى الذي اجريت له عملية استئصال الرصاصة التي استهدفته من قبل فراس .وقد تولت نوفة رعايته ووهرة ايضا بشكل خاص فقد تولت الاهتمام بطعامه وتبديل ملابسه من حين إلى أخروالاشراف على تناول دواءه الذي وصفه الطبيب لغرض شفاءه من جهة وتسكين المه من جهة اخرى ومع هذا بدا يشعرقسم بمدى تقرب وهرة منه وكأن الحادثة قد الفت بين قلبيهما بدل من اعلان البعد والفراق عن بعضهما …وقد لاحظ جوهرهذا ليقع في حيرة في احاسيسه بين حبه واحترامه لاخيه وبين عشقه لوهرة التي بدت هادئة معظم الوقت قريبة من قسم ..ملبية طلباته وعلى وجهها ابتسامه خفيفه ..
-" يبدو عليك التعب ..اخلدي الى النوم " ..قالها قسم لوهرة التي كانت جالسة قبالته وقد اتكت بجسدها على احدى الوسائد المحاذية لجدار الحجرة .
-" لا اشعر بالنعاس " ..قالتها بصوت هادى مصوبة نظرها نحو وجهه الشاحب من اثر الحادثة ..فهو لم يسترد صحته بعد ..
-"اقتربي مني ؟ " قالها وهو يحرك احد كفيه يومى إليها بالاقتراب والجلوس قربه . امتثلت لطلبه بخضوع يأس ..إنها تعلم قد فقدت فرص ان تكون حرة بعد ما احدثه شقيقها من ضرر ..وقد بلغ قسم عنه في استجواب الشرطة له ومما زاد من غضب نوفة على وهرة عند علمها بمن كان السبب في اصابه قسم برصاصة كادت تودي بحياته …
-" لولم انجو من الحادثة لكنت حرة الان " ..قالها بصوت خافت وهو يتمعن ملامح وجهها الذي بدء عليه التعب ..فقد سهرت على خدمته لساعات طويلة دون ان تخلد إلى النوم .
-" بل ساكون مقيده بذنب احمله طوال حياتي " قالتها وقد بدء عينيها تحمران من دموع ساخنه ..إنها ما تزال تذكر الحادثة وكإنها حدثت قبل دقائق ..فلو لم يستمع لها لم كان هو على هذا الحال ولكن ربما كان شقيقها اسوء حالا ..إنها مشتت التفكير فيمن يكون على حق غير إنها لا تستطيع ان تنظر إلى قسم وهو على حاله ..مضمد الجرح ..منهك القوى ..مددا على سريرلا يستطيع الحراك كما كان سابقا ..
-" هل تعلمين ان دموعك هذه هي من اوقفتني عن قرار قد اتخذته بحق شقيقك " ..قالها وهو يحاول رفع يديه نحو وجهها لعل انامله تتلمس دموعها المنحدره ببطأ من عينيها السوداء ذوات الاهداب الكثيفة ..
-" أنا جدا اسفة لما حدث لك " ..قالتها وهي تمسك يديه بعد ان فشلت في الوصول إلى غايتها وقد بدء على ملامح وجهه توجع قد شعره مع حركته غير أنه ما لبث إن اختفى ليكشف عن بسمه شفافة وهو يشعر باصابعها الصغيره بين اصابعه الكبيره …إنها المرة الاولى التي تتلامس يديهما معا ..وقد شعرا كل منهما بحرارة واحساس لم يعهدا من قبل ..ربما انه الحب الذي بدت حرارتها تشع بينهما شيء فشيء ..غير إنها لحضات مرت حتى تركت يداه ببطأ وقد ابعدت نظرها عن عينيه المعلقة نظرها نحو عينيها
-" لماذا تركتي يدي ؟" قالها لكنه لم يجد الجواب غير بسمة حياءا قد ظهر عليها ..ربما إنها البداية لاحساس جديد لها ..أحساس الحب الذي لم تعرفه من قبل ..او شيء خالت إنه خيالي لا وجود له على ارض الواقع كما اخبرتها سعاد من قبل ..فهل ستدركه هي وهل سعاد ستقف عاجزة عن قتله وهو في بدايته ..ياتي الحب من حيث لا نحتسب فيغيرافكارعالمنا ويرسم لنا الاشياء بالوان زاهية فنجد اشراقة شمس في سماء لم نراها كما في السابق ..أنه الحب الذي يجعل منا اشخاص نجد ان الغد اجمل من الامس وان السعادة قادمة لا محال وسنعوض عما مضى وفات من العمر ..اخذت وهرة تستنشق الهواء بين احضان الطبيعة فاتحة ذراعيها كما كانت طفله الامس
إن شيء في داخلها قد تغير وقد احدث انقلاب فيها ..فعيني قسم وما تضمه من بريق الدف قد اصاب قلبها بشيء لم تخال ان يصيبها من قبل ..اضافة إلى تلك الغمزتين على وجنتيه عندما يبتسم كانها غمزة طفل بحاجة إلى رعايه وحنان خاصة وهو في حال اشعرها بمدى اهميتها في حياته في هذا الوقت ..أنه لم يلمه على شيء اقترفه شقيقها..فقد قربها إلى نفسه شيء فشي ليصيب قلبها شعور قد اصابه شيء منه عندما رائها اول مرة عند عودته إلى الدار بعد غياب طال اعوام ..هي بفتنتها وهو بحيوية شبابه ..

اخذت تدورحول نفسها تحت ظل اشجار البرتقال وهي بفستان ابيض طويل وقد ارتسمت البسمة على شفتيها ..فالحب يجعل منا أطفال فكيف الحال أذا كنا أطفال في الداخل ..وما هي لحضات حتى تركت نفسها تهوي بخفة نحو العشب غير ابهة لخصال شعرها المنتشر بشكل عشوائي على جسدها الرشيق ..اغمضت عينيها وما زالت البسمة معلقة على شفتيها ..وهي تشعر باشعة الشمس تكاد تخترق جفنيها المغلقتين على عينيها الكبيرتين ..إنها في عالم اخر تفكر وتحلم ..قسم ..زوجها ..إنها تعلم الان ما معنى ان تشعر بالعاطفة نحوه ..في الامس كانت تود ان تتحرر منه والان قد باتت لا تعرف معنى لحياتها دون وجودها بقربه ..عجيبة هي الحياة ومفارقتها ..لحضات مرت وبينما هي في غمرة الحلم حتى شعرت كأن نور الشمس قد حجب عن جفنيها واحتل ظلام بدله ..فتحت عينيها لتجد شخص يرتدي جلابيه يقف قربها..وما هي لحضات حتى تهجم عليها ..وبين صدمتها والذعر ..لم تجد نفسها غير إنها مقيدة بجسده المتهالك عليها وهي تسمعه قائلا " إنه الحل الوحيد لجعل قسم يطلقك فتكوني لي حبيبتي " ..اخذت تصرخ وهي تدافع عن نفسها بكل ما اوتيت من قوه ..لكنها في النهاية جسد ضعيف امام اعصار ثائرياخذ منها براءتها ليتركها حطام متناثرلا يستطيع ان يجمع احلام قد قتلها بجريمة لا تغتفر تكون هي ضحيتها ..اخذت تصرخ ..لكن من قد يسمع ..فقد طارت العصافير التي بنت اعشاشها على اغصان الاشجار وكان عدو قد قدم وهم في حاله انذار ..ثم ليخيم الصمت المكان فتكون الصبية ذات السادسة عشر بفستانها الابيض الذي خالته في حلمها كفستان عرس قد تغير لونه ليرسم وشم عار وخطيئة تغير احلامها الوردية إلى واقع مظلم كظلمة ليل ليس فيه قمر او نجوم …
23
وضعت وهرة راسها في احضان امراءة بخصال شعر فضي مشعث وانف كبير ببشرة سمراء غامقة …إنها سعاد ..تلك المراءة التي كانت قد فطنت لوهرة الكثير من امور الحياة ..ورسمت لها خطة تسير عليها لتنال حرية كانت تودها ..لكن الصبية المسكينة لم تعلم إنها مجرد اداة لانتقام لها ..وقد انجزت سعاد الكثير من خطتها بفضلها ..وها هي قد ضربة الضربة القاضيه بخبث غادر ..فبعد ان جعلت من وهرة فتاة
المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قسم وهرة ..الجزء الخامس

كتبها رشا عبد الكريم الصيدلي ، في 12 كانون الثاني 2011 الساعة: 11:07 ص

" -"هلمي واجلس هنا " قالها وهو يشير الى جزء من الفراش يكون قريب منه ..بخطأ بطيئة انصاعت لاوامره ..وقلبها يدق بسرعة ..كسرعته في ليلة كانت قبل اربعة اعوام ..الليلة الاولى لها في بيت قسم ..في اللحظة التي دخل قسم حجرتها ليجدها على السرير وفرائسها مرتعده من خشية ما سيحدث بعدها ..
نظر إليها وقد ظهرت على وجهه ملامحة بسمة خفيفة ..فقد تذكر هو تلك الليلة وكيف كانت هي ..متشبثة باللحاف ..كانت صبية حينها ..لكنها الان قد نضجت عما كانت عليه .
-" انظري ألي " قالها وهو يمعن إلنظر إليها وهي منحية راسها كما فعلت تلك الليلة ..امتثلت لامره ..وتلاقت عينيهما من جديد ..هو لم يعد بوسامته البسيطة ..وهي لم تعد الطفلة الصغيره …فكلاهما قد تغير .. هو قد زادته الوسامة واصبح رجولي المظهر بشاربيه المفتوليين وكتفيه العريضين ..وهي بمفاتن جسدها الرشيق ونظرات عينيها الجاذبتين …
ابعد نظره عنها واخذ يتنهد ببطأ ثم التفت إليه قائلا بصوت هادى " لابد إنك تذكرين ما قلته لك قبل اعوام ..في إن لا تخاف مني ..وكذلك اني لن اوذيك " ..
-" نعم ..اذكر " ..قالتها بصوت هادى .
-" هذا جيد ..ولابد انك تذكرين ايضا إني طلبت منك إني تعتبريني كصديق لك " ..
-" نعم اذكر " .
-" اذا صارحيني القول ..ماهو الشيء الذي بينك وبين جوهر ؟ " ..قالها وهو ممعن النظر إلى عينيها التي بدئت تتلألى من دموع انحدرت على وجنتيها الممتلئتين ببطأ.
-" لا شيء " .
-" كيف لا شيء .وهو يقول انه يحبك ؟".
-" لا شيء " .
-" أيعني انك لا تبادليه الشعور ذاته " .
-" نعم ..انا اراه كشقيق لي لا اكثر " ..قالتها بصوت خافت حذر .إنها تخشاه …وتخشى ما ستكون ردة فعله لو علم إنها قد اوقعت جوهر في شباكها لخطة تكون الحرية هدفها .
-" ومن هو الذي لا تريه كشقيق لك " ..قالها وقد لمع في عينيه ابتسامة خفيفة وكأنه يريد الوصول إلى نتيجة تطرق مسمعه .
-" لا افهم ما تقصد " ..أنها تفهم ما يعنيه ..لكنه لا تكشف ذكاءها له بهذه السهوله ..
-" حسنا ..أنا بالنسبة لك ..ماذا ؟ " ..قالها وهو يتلمس بعض خصال شعرها الطويل
-" صديق.. " قالتها بعد برهة من التفكيرإنها تعلم ما هي نواياه منها.. وقد تاكدت من هذا عندما لمست يداه وجنتيها الناعمتين ..أدرات وجهها بخفة وهي محركة لخصال شعرها محاولة ابعاد يداه عنها .".ما الذي تريدنه وهرة ؟".. قالها بعد ان لاحظ نفورها منه ..ربما إنها اللحظة التي انتظرتها اعوام للبوح عما تطمح اليه …نظرت اليه وفي عينيها بريق مملوء بارادة وتصميم " أريد حريتي " .
-" ماذا ؟" .قالها وهو يقطب حاجباه
-" اريد حريتي التي سلبتها مني منذ اربعة اعوام …" .
-" وماذا ستفعلين بها ؟؟ .. هل ستتزوجين من جوهر ؟ " ..قالها وقد بدء الغضب يلمع في عينيه .
-" حريتي هي ما اطمح له وليس زواج باخر..إلا يكفي اني مقيدة تحت اسم الزواج مدة طويلة ..قد باتت حريتي كحلم اود الحصول عليه .. اخبرني اليس لديك احلام منذ صغرك وتطمح في تحقيقها " .. قالتها بصوت هادي مسكين ..إنها تحاول ان تطرق على اوتار حساسة تخاطب به مشاعره كانسان ..
-" بلي ..لدي " قالها وهو يتذكر المشاريع التي يامل ان يحققها مع الايام .

.
-"سامنحك المال لتحققها مقابل حريتي ؟ " قالتها وعينيها امتلت دموع ساخنة ..إنه الاختيار الوحيد الذي تملكه لتقايضه بحريتها .
-" ما الذي تقصدين ؟" قالها وهو يبتعد بجلوسه عنها وما زال حاجباه مقطبان .
-" لقد ورثت من والدي مساحة كبيرة من الارض تضم محصول مثمر يمكنني ان امنحك إياها.يمكن ان يوفر لك مال يحقق كل ما ترغب به ..كله امنحك إياه مقابل ان تمنحنى حريتي " ..قالتها وهي تمسح دموعها بكلتا يديها .. فهي ليست صغيرة كما كانت ..إنها تعلم ان والديها لهم ارض زراعية شاسعة بمختلف المحاصيل ..اضافة إلى ان عمها قد احتفظ بمال كان يملكه والدها قبل وفاته ..فقد اخبرتها جدتها بهذا ..إنها لا تأبه الان للمال بقدر ما تابه لحريتها التي باتت غايتها ..منذ اعوام مضت ..إنها لا تريد الرجوع إلى ذلك الدار وعيش معاناة اخرى تثقل من كاهلها ..فهي لم تجد الحب او الحنان الذي يمكن ان يكون سبب للبقاء والاستمرار ..
-" وكيف ستعيشين ان اخذت ما ورثته ؟" قالها بصوت هادى متاملا ملامح وجهها الحزين .
-" اخي فراس قد ورث ضعف ما املكه ويمكنني العيش به " ..
-" ومع من ستعيشين ؟"
-" مع جدتي ..في هذا المنزل الذي ساحتفظ به كذكرى من والداي رحمهما الله " ..
-"يبدو لي انك قد فكرت في الموضوع مليا قبل ان تطرحيه علي ؟" .
-" حريتي هي ما اريدها ".
-" ربما فهمت ما يحدث ..قد اوقعت باخي جوهر ليطلب ما طلبه فتنالي حريتك ثم تنكرين عليه حبك المزعوم .."..قالها بصوت ساخط ..إنه ذكي .. وليس بسيط او ساذج كما تصورته هي او ما اوحته لها سعاد عنه ..فعلمه الذي تزود به واختلاطه بمختلف الاشخاص قد جعله يفطن عن نوايا ظاهرة بشكل اخر .." ..سامنحك ما تريدين " ..قالها وعينيه قد تلاقت عينيها النرجسيتين ذات الاهداب الطويلة .
-" حقا .. "قالتها وعلامات المفاجئة قد رسمت على ملامح وجهها المتسائل .. إنها لم تتصور ان طلبها سينفذه بهذه السهوله ..
-" ساقوم بتطليقك رغم اني اعلم ان والدي سيعترضان بشدة على قراري ..لكن يبقى شيء واحد لابد من انهاءه" ..
-" ما هو ؟"
-" رجولتي "
-" لم افهمك !!!!"
-" انت لم تعدي طفلة ..ولابد انك تعلمين معنى ان تطلق فتاة وهي ما زالت عذراء " ..أنه ليس بالرجل البسيط ..فتفكيره ياخذ ابعاد لم تصل إليه وهرة او حتى سعاد ..أنه يخشى من ان يقوم بتطليقها ثم تتزوج برجل اخر فيجد إنها ما زالت عذراء فيكون هو مهزلة بين الالسن ..إنه يحسب لخطواته جيدا ..وإن قبل بمنحها الحرية كما ارادت فهذا لانه يابى ان يفرض نفسه عليها رغم انه شعر بجاذبية نحوها ..فقد اتقنت هي دورها جيدا في لفت انتباهه ..لكن الان قد عادت الكرة في ملعبها ..فلذا عليها اتخاذ القرار ..إما ان تمنح نفسها له لتنال حريتها ..أو ترفض فتبقى كما هي ..زوجة له ..وربما ياتي يوم تمنحه كل شيء ولا تنال منه ما تريد ..رعشة قوية قد اجتاحتها ..وقلبها بدء يدق بسرعة لم تعهدها ..انه يرغب بها هذا ما قراته في عينيه المعلقيتين في عينيها ..انه امر صعب ..واختيار لم تتصور ان تكون فيه يوم من قبل حتى إنها فكرت ربما كانت اكثر حظا لو إنه أخذ عذريتها في ليلتها الاولى في داره ..افكار ..نصائح ..واحاسيس ..أجتاحت مخيلتها لتجعل منها مشتتة ع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قسم وهرة الجزء الرابع

كتبها رشا عبد الكريم الصيدلي ، في 12 كانون الثاني 2011 الساعة: 11:03 ص

13
كانت الساعة تقارب التاسعة صباحا عندما استيقظ قسم وعلى وجهه ابتسامة خفيفة وهو يتذكرما كانت وهرة عليه في الامس ..خرج من حجرته واقفا قرب السياج الخشبي ينظر إلى باحة الداروعيناه باحثة عن وهرة ..لكن لم يجدها ..دق باب حجرتها لكن ليس من هناك مجيب ..لابد إنها في المطبخ الان ..نزل بخفة وهو يستنشق عبير الاقداح الذي يحمله النسيم مع حفيف اشجار الحقول المحيطة بالمكان ..كانت وهرة تعصر ثمرة البندورة لعمل معجون لغداء اليوم في حين كانت نوفة تقف قرب الطباخ القديم تقلي قطع من الباذنجان ..القى التحية على كلاهما وخاص وهرة ببسمة شفافة وهو يلحظ بريق الخجل في عينيها ..
-" اجلس يا ولدي لأعد لك الفطور " ..قالتها نوفة وهي تمعن نحو قسم الذي كانت انظاره متجه نحو وهرة .
-" أشكرك يا امي ..لكني اود وهرة ان تعده لي "..قالها وهو ما زال ينظر بابتسامته نحو وهرة التي قد ابدت ملامح التعجب من طلبه …" هل فطرتي ؟؟" ..اضافها وهو يتكأ على احد الجدران المقابلة لها .
-" نعم .." اجابته بصوت مملوء بالحياء .
-"من الغد فصاعدا سنفطر معا ..والان اعدي لي الفطور وستشاركيني به " .
امتثلت لطلبه واعدت الفطور له وحملته إلى حجرة المعيشة لكنها اعتذرت عن مشاركته اياه زاعمة إن لديها الكثير من العمل لتنجزه ..وقد سمح لها بذلك شرط ان لا يتكررهذا العذر مرة اخرى ..أنه لطيف معها .أنه يحاول التقرب منها شيء فشيء وقد ادركت بدورها هذا..وبينما هو يأكل البيض المسلوق الذي اعدته له تذكر شيء قد غاب عن فكره منذ الامس ..إنه مشروع قد درسه جيدا ووضع خطته منذ كان طالب يدرس وقد استغل وقت فراغه للبحث عن كل الادوات التي تخصه ..إنه مشروع تفقيس و تربية الدواجن ..نعم هذا هو ما كان يسعى إليه ..أنه طموح جدا يود ان يعمل مشروعا يدر له مالا وفيردون تعب كثير . ..كبيرة هي احلام قسم ..جميل هو طموحه رغم صعوبة تحقيقها ..لكنه يعلم ليس من هناك شيء مستحيل ..فهو يملك الشباب ..الفكر ..القوة وبعض المال الذي يأمل أن يمنحه والده كشريك له ..
ارتدى ملابسه بخفة وانطلق إلى الحقل حيث والده الذي وجده جالس على كرسي من القصب تحت مضلة صنعت من سعف النخيل ياخذ قسط من الراحة ..إن والده رجل كبيرالسن ناهز الخامسة والخمسون سنا لكنه ما زال يحتفظ بلمحة من وسامة بسيطة اختفت معظمها مع مرور الزمن ..مضت ما يقارب ساعة وقسم يشرح له فكرة مشروعه والخطوات الاولى للبدء به ..لكن والده افصح له ان ما يملكه من مال ليس بالكثير حتى يستطيع الاعتماد عليه فلهذا هم بحاجة إلى شركاء بالمال ..خيبة امل اجتاحت قسم وهو يسمع ما ذكره والده ..فهو يطمح ان يكون مشروعه هذا حصري لعائلته دون شريك لهم في الارباح ..لكن الخطة التي رسمها قد تغيرت بعض الشيء ولتحقيق مشروعة لابد ان يطرحه على مجلس عشيرته ..وبينما هو في دوامة افكاره جاء شخص يهرول باتجاهما وكإنه يحمل نبأ ما ..اخذ لحضات يستنشق هواء حتى قال " البقية في حياتكم ..قد مات ابو فراس وزوجتيه " ..إنه والد وهرة ..كيف ستتلقى وهرة هذا الخبر؟؟…هذا ما فكر به قسم الذي يكاد يكون مصدوما ..
14
في بستان واسع توزع النخيل فيه بترتيب منسق ومظل بسعفه على اشجار البرتقال اللواتي كانت تقع الواحدة منها بين نخلة واخرى جلست وهرة متكأة على جذع شجرة كانت قريبة من دار قسم ..انه مكان اعتادت على التواجد فيه عندما تشعر بالضيق وكإنها تحاول ان تبحث بين الاشجار وحفيفها وزقزقة العصافيرعن شخص قد امحته الحياة وجوده ..إنها تبحث عن وهرة ..إنها تبحث عن ذاتها ..عن تلك الطفلة التي اخذت الحياة بسمتها وزجتها في عالم لم تكن قد اعدت له من قبل ..
اخذت حفنة من التراب بيديها الناعمتيين تضغط عليها بقوة ودموع قد شقت طريق على وجهها الذي شحب حزنا والما ..لقد علمت بموت والديها ..فقد غرقا في مجرى مائي بعد ان وقعت السيارة التي تقلهم من الكوت إلى العمارة ..ورغم محاولة بعض الرجال انقاذهم لكن قد بائت محاولتهم بالفشل ..فوالدها وزوجته الاولى مسنان ووالده وهرة كان الحزن لفراق ابنتها مدة اربعة اعوام قد اخذ ماخذ منها ليجعلها ضعيفة البنية منهكة القوى والارادة ..فقد سلبت منها ابنتها دون ان تبدي اي اعتراض كان ..
هكذا اصبحت وهرة يتيمة ..والدان متوفان ..وشقيق ليس له اثر ..حتى وان ظهر فهو مطلوب من العدالة من جهة وحد السكين من جهة اخرى ..
أغمضت عيناها متكأة براسها الذي غطي بوشاح اسود على جذع الشجرة والدموع ما تزال تنهمربشدة ..إنها محبطة ..حزينة ..وحيدة ..متألمة …لا تعرف كيف يكون الصراخ والعويل ..قلب يتوجع فقد خسرت امل كانت تسعى اليه ..احضان والدتها المسكينة ..هذا ما كانت تتوق اليه بشدة في ليالي باردة مرت عليها على ممر تلك الاعوام المنصرمة ..هاهي الان فقدت ذلك الامل ..فوالدتها قد ماتت وتلك الحسرة قد باتت تتوغل عمقا في داخلها ليجعل منها اشلاء جسد باحلام متناثرة ممزقة ..
" أقسم بكل حبة رمل ستعتلي احضانك امي وانتي تحت التراب اني سانتقم كل من سبب في ابعادي عنك " ..قالتها بعد ان فتحت عينيها وهي تنظر إلى الافق بعينيين حادتيين وهي تقبض على حفنة الرمل بشدة ..فقد تذكرت ما قالته سعاد لها من قبل ..إن قسم وعائلته هم السبب ..هم من سلبوا حريتها وابعدوها عن احضان والدتها .
-" وهرة .." قالها جوهر الذي ما ان سمع بالخبر حتى جاء مسرعا الى البيت ليكون عون لوهرة عند تلقي الخبر لكنه تفاجأ ان إحدى النساء قد سبقته واعلمتها به ..
"…البقية في حياتك عزيزتي " أضافها وهو يحاول يخطو مقتربا منها ..فما يفصله عنها عشرة أقدام ..وقفت تنظر إليه وعيناها تغرغر دمعا ..فقد ارتدت جلابية سوداء ووضعت اشارب اسود على راسها ليضم معظم خصال شعرها الداكن ..كانت وقفتها ثابته تنظر إليه ببريق قسوة قد لمح جوهر الشيء البسيط منه لكنه فسره على انه الم وحزن على من فقدته ..
إنها تنظر إليه وشعور بدء ينمو اكثر من السابق في الداخل ..إنه شعور المقت لجوهر ولشقيقه ووالديه ..كان حفيف الاشجار توزع في ارجاء المكان والريح قد ازالت ذلك الوشاح ليكشف عن شعرها فتزيدها فتنه في عين جوهر الذي بات ما يكنه عشق لها .
-" أظن عليك الذهاب إلى بيت والديك رحمهما الله لرؤية جدتك واجراء مراسيم الدفن " ..قالها بصوت هادى حزين .

سارا بخطأ بطيئة نحو الدار لتعد نفسها الى الذهاب لكنهما فوجأ بنوفة تقف وعيناها تقدح شرر ..فقد اغتاضت من مدى الاهتمام الذي ابداه جوهر لوهرة وقد اشارت إلى قسم الذي وقف بقربها ان ياخذ وهرة إلى دار والداها ..فهو زوجها وامام الناس حضوره مطلوب كي لا تفتح الالسن عليه ..لم تأبه وهرة لمن سيوصلها إلى بيت والديها سواء جوهر او قسم ..فكل الذي تريده هو ان تكون في البيت والديها المتوفان لعلها تشعر بشيء من الدفى الذي افتقدته منذ خروجها منه ..

15


كان بيت والدي وهرة مكتظ بالحضور وعويل النساء قد امتلى المكان ..وفي احد الجوانب كانت عجوز متشحة بالسواد كبقية المتواجدات تبكي بحرقة كبيرة وهي محتضنة لفتاة في مقتبل الشباب ..إنها جدة وهرة تحتضن وهرة التي جاءت تعزي نفسها وجدتها ويعزوها اقاربها على الحادثة المؤلمة …ساعات مضت حتى جائوا بالجثث الثلاثة ووضعوها على السيارات إنهم يريدون التوجه إلى دفنها في المقبرة ..
وقفت وهرة تبكي وهي تنظر إلى من احبتهم ..والدتها ..والدها ..وزوجة والدها ..وهم يدفنوا تحت التراب ..ما اقسى هذه الحياة ..وما احر دموع وهرة التي تنزل على وجنتيها ..فهي لم تخال يوما إنها ستبتعد عن احضان والدتها يوما ما ..ولن تزف كبقية الفتيات ..ولن تعامل كزوجة كالاخريات ..وعندما حلمت بان يوم ما ستعود إلى تلك الاحضان الدافئة قد تشتت هذا الحلم ليوقضها على واقع افزع من الكابوس ..واقع دون حنان والدتها …
وقعت على الارض فاقدة الوعي من شدة المها حتى اسرع قسم نحوها ليحملها وياخذها إلى السيارة وقد اشار اليه شاب ما لم يعرفه قسم من قبل ان يبلل وجهها ببعض قطرات الماء لعلها تستفيق ولما فعل وفتحت عيناها المحمرتين بكاءا وهي تنظر إلى قسم الذي كان بقربها ثم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قسم وهرة

كتبها رشا عبد الكريم الصيدلي ، في 12 كانون الثاني 2011 الساعة: 10:58 ص

7


امام باب حديدي يقع في زاوية ميتة من المنزل وقفت وهرة برفقة عمتها
-" ما ستريه وراء هذا الباب سيكون سرا لن تبوحي به لاحد يسكن خارج جدران هذا البيت ..وان فعلت اعلمي انك تحكمين على نفسك بالموت ".
فتحت نوفة ..والدة قسم ..الباب بمفتاح متوسط الحجم .. إنها حجرة مضيئة بمصباح في وسط سقفها العالي ….وفي احد الاركان كان شخص متشح بالسواد ممددا على أحد الافراشة الموزعة في الحجرة ..
-" ذلك الشبح الذي رايته تلك الليلة ما هو إلا أمراءة ..بدم ولحم .." ..قالتها وهي تغلق الباب خلفهما " …سعاد ..أستيقظي .." اضافتها وهي توجه حديثها لتلك المراءة ..
-" نوفة !!!" قالتها سعاد وهي تهم بالنهوض متكأة على ساعديها القويتين .
-" أنظري ..إنها زوجة قسم " قالتها نوفة وهي تشير نحو وهرة .
-" وهرة ..تلك الصغيرة المسكينة التي اصبحت ضحيتك وقسم " .
-" ستكون هي من تجلب لك الطعام فصاعدا " ..قالتها وعلى وجهها امتعاض وهي تأفف تبطرا .
-" أقتربي وهرة ..دعيني اراك جيدا " ..قالتها سعاد وهي تلوح بإحدى كفيها ناحية وهرة التي تسمرت واقفة لا تعلم ماذا تفعل في هذه الحجرة الكئيبة ..وما ان حاولت الامتثال لاوامر تلك المراءة المدعوة سعاد والحذر يملى قلبها منها امسكتها نوفة عن الاقتراب تأمرها بالخروج ..وما ان أقفلت نوفة الباب بالقفل حتى التفت نحوها قائلة وفي ملامحها كل الجد
-" عندما تحضري لها الطعام اكتفي فقط بوضعه بمكان داخل الحجرة يكون قريب من الباب واخرجي دون ان تصغي لتلك المرأة ..حذاري ان تخلفي اوامري …ولا تنسي ان تقفلي الباب فقد خرجت عدة مرات من الحجرة عندما نسوا قفلها جيدا "..
عدة اسئلة اجتاحت مخيلة وهرة لماذا وقع الاختيارعليها في الاعتناء بتلك المراءة ؟؟ ,,ومن هي ؟؟..ومالذي فعلته لتستحق هذا السجن الانفرادي ؟؟.
8

-" جميل هو الربيع "قالها جوهر الذي شهد وقوف وهرة امام السياج الخشبي تتامل اغصان شجرة النبق التي احتلت وسط باحة المنزل ..فقد جاء الربيع بثوبه الجديد حيث يزين اوراق الاشجار جاعلا من زقزقة العصافير وتغريد البلابل سفونيته الجميلة التي تعم سامعها ببعض من الهدوء والصفاء ..
-" انه كذلك " تبسمت له بشفافيه فقد توطدت علاقتهما بعض الشيء منذ رحيل قسم الذي لم يصل لها الا الاخبار البسيطة عنه ..فهو لم يزورهم حتى لساعات قليلة ..إنه مشغول بالدراسة والعمل مع خاله في محل البقاله .
-" ..حسنا علي ان اذهب بالطعام للخاله سعاد " …لم تعد وهرة تخشى سعاد فخوفها قد تبدد مع الشهرين اللذين مضيا فقد كانت تجلب الطعام لها.. وشيء فشيء بدئت تجيب الكثير من اسئلتها .
-" اقتربي وهرة هناك شيء اود ان اسئلك " ..قالتها سعاد وهي تظهر بعض المكر الذي لم تدركه وهرة التي لبت ندائها .."..يوم فيوم تزدادين جمال عزيزتي ..وهذا الجمال من المؤسف لا يقدره أحد "..اضافتها سعاد وهي تتلمس جدائل وهرة الطويلة التي جلست قبالتها صامته مصغيه لما تقوله تلك المراة ذات النوايا المجهولة "..منذ متى لم تقابلي والدتك واهلك كلهم ؟ " قالتها بصوت حزين وملامح متأسفة .
-" مدة طويلة ..منذ زواجي بقسم " اجابتها بصوت حزين وعينان بدت تحمر من غصة في النفس .
-" كم انا حزينة عليك عزيزتي ..حياتك بائسة بفضل هولاء الذين تعيشين معهم ..نوفة ..قسم ..جميعهم السبب في بعدك عن احضان والدتك ..لم يتفهموا إنك لا ذنب لك من كل الذي حدث ؟ "..أخذت سعاد تحدث وهرة عن كيف كانت حياتها لو لم تتزوج قسم ..كيف ستكون حرة طليقة ..في احضان والدتها ومن ثم كيف ستكون زوجة لشخص يكون الحب اساس علاقتهما ..واشياء كثيرة عن حياتها التي اصبحت هامشة في حياة الاخرين ملقية اللوم على افراد عائلة قسم ..وبالذات نوفة وقسم ووالده..واضافة جوهرمعهم لانه ربما يوما ما ستجري دماء شقيقها فراس على يديه..فهو ما زال فارا من العدالة ومن اهل قسم .
ومع مرور الايام بدئت وهرة كلها اذان صاغية لسعاد التي كانت تفطنها على امور كثيرة تجهلها ..عن الحياة ..عن الجمال ..الانوثة ..الزواج ..وغيرها من الاشياء التي كانت وهرة تزداد فضولا يوما فيوم لمعرفتها ..حتى اصبحت تبني شخصية لها على قصص سردتها سعاد إلا شيء واحد وهو سبب حبسها في هذه الحجرة الكئيبة التي كلما ودت وهرة معرفته لم تجد الجواب ..لكنها مع مرور الوقت بدئت لا تكترث لهذا السبب لانها انشغلت في التعلم منها امور اكثر اهمية لها هي كيفيه التعامل بمختلف الاساليب مع الاخرين وخاصة الرجال منهم ..حتى اصبحت ترى الحياة من زاوية بعيدة كل البعد على ما تربت عليه من الدتها ..من البساطة ..الطيبة ..البراءة ..لتشعر إنها اموراصبحت ساذجة في عينها وان لها هدف لابد من تحقيقه هو ان تنقل الالم الذي شعرت به مع دخول هذا البيت لصحابه ..وتكون في النهاية حرة من قرار لا ذنب لها فيه ..وفي ليلة من ليال الصيف الحار الذي كانت وهرة تجد صعوبة في النوم وقفت امام النافذة وهي تشهد القمر الذي كان هلال حينها وشعور الالم يعتصر قلبها لما هي عليه من حال .." اقسم اني ساكون حرة وسيدفع الثمن من قيدني بهذه القيود ..مهما كلفني الامر من مشقة " ..كلمات همستها مع نفسها وعينها يلمع بريق التحدي وافكار قد اجتاحت مخيلتها المليئة بوصايا سعاد ..فيا ترى ماالذي تخبأ الايام لوهرة ومالذي تخبه هي من افكاروخطط لتحقيق ما تصبوا اليه ..

9
علب متوسطة الاحجام تظم شتلات من زهور مختلفة قد توزعت في اماكن متفرقة قرب السياج الخشبي المطل على باحة بيت نوفة ..وكعادة لوهرة كانت هذه المهمة ملقية عليها في سقيها والاعتناء بهن اضافة للاعمال المنزلية التي كانت تقوم بعملها …فقد تزوجتا صفا ومروى وخلى البيت لها ولعمتها نوفة التي لم تكف عن معاملتها بشكل سيء والقاء كثيرا من العمل على عاتقها .
-" وهرة عزيزتي " ..قالها جوهر بصوت هامس محاولا امساكها من الخلف واضعا يدايه حول خصرها النحيف ..تبسمت له بمكر لم يلمحه في بريق عينيها السودائتين الواسعتين ذات الاهداب الطويلة وهي تحاول الابتعاد عنه بدلال "جوهر ..كم مرة قلت لك إن لا تفعل هذا ..فانا ما زلت زوجة اخيك "..قالتها وهي تنظر إلى عينيه الناعستين ..فقد مضت اربعة اعوام على زواجها من قسم ..وقد اصبحت فاتنة تعرف معنى الانوثة ومدى سلطتها على الرجال ..شعرها الاسود الطويل المتموج ..بشرتها القمحية ..جسدها الرشيق والذي يضم مفاتن يتمناها أي رجل ..وذلك الخال القهوائي بين شفتيها الممتلئة وانفها الصغير ..إنها رائعة ..وما يزيدها روعة هو الدلال الذي تتقنه بحركاتها التي تجذب اين كان ناظرها ..
-" لكن قسم سيقوم بتطليقك عند عودته ..وسأتزوجك بدوري ".,,قالها جوهر محاولا الاقتراب منها اكثر وهو يتامل هندامها البسيط الذي يظهر مفاتن جسدها المغري ..
-" إلى ان يأتي ذلك الوقت عليك ان تنتظر " ..قالتها محاولة الابتعاد ببطأ
-" لكني تعبت من الانتظار ..ما رايك ان تعطيني قبلة بسيطة تهدى النار التي في داخلي "..قالها وهو مُمسك بذراعيها مقربا إياها نحو احضانه ..فقد اصبح رجل مكتنز العضلات …ذوهيبة ظاهرة للاعين ..
-" لا يجوز هذا …" قالتها بدلال وهي ما تزال محتفظة بإبتسامتها الماكرة
-" احبك وهرة ..فلماذا تعذيبيني هكذا ؟"
-" انا لا انوي هذا ..لكني احفظ مكانة اخوك قسم كزوج "..
-" اللعنة …حسنا في الغد سيعود قسم وسننتهي من هذا الجملة للابد .." قالها وهو يظهر بعض الامتعاظ ..فغالبا ما كان يحاول ان يستحين الفرص للانفراد معها ولكن في النهاية يكون له نصيب من الفشل في الحصول على شيء بسيط منها ..فعلى قدر ما كانت جميلة كانت ذكية وذات مكر وخفة في التملص منه ..لم تعد وهرة تلك الفتاة البريئة بافكارها ..او السهلة في قيادتها ..فقد علمتها سعاد الكثير وجعلت منها انثى لا يستهان بها في كل شيء ..وقد ساعدتها في وضع خطة في ايقاع جوهر في حبها ثم ايقاع قسم هو الاخر فتدب البغضاء بين الاخوين ..فالشقاق والنزاع ..وفي النهاية ستثأر لطفولتها المغتصبة وتنال حريتها …
-" علي أن اعد الطعام للخالة سعاد ..أعتني بنفسك " ..قالتها بصوت هادى وعلى ثغرها ابتسامة خفيفة وعينان فيها بريق الجاذبية والمكر وقد باشرت بالابتعاد عنه عدة خطوات ثم لتستدير بوجهه ناحيته وهي تشهد تسمره واقفا ينظر إليها وعيناه المفترستان ..لتودعه بإبتسامة ماكرة ثم ترجع بعض خصال شعرها الطويل إلى الخلف بيديها الناعمتين ..
10
-"جوهر قد وقع في شباكك يا جميلتي ..ولم يبقى غير قسم ليقع ..فتشب النار في هذا البيت من اجلك ..تذكري كل شيء علمتك إياه على مدى الاعوام الماضية ..غدا سيأتي هدفك التالي ..ما عليك فعله إلا ما اوصيتك به " ..قالتها سعاد لوهرة التي جلست قبالتها كتلك الصبية منذ اربعة اعوام لكن بملامح المكر والدهاء ..فقد رسمت لها سعاد خطة للحصول على حريتها مع جعل قسم وعائلته يدفعون الثمن ..ثمن طفولتها المسلوبه ..ثمن بعدها عن احضان والدتها المكسور القلب ووالدها المسكين الذي لم تعد عيناها ترى احد من اولاده ..فراس ..سلمى ..وهرة ..
تقلبت يمينا وشمالا محاولة النوم لكن هناك هاجس هذه الليلة يمنعها عن النوم ..لكنها لم تعتاد على ان تعرف معنى الارق من قبل …صورا من الماضي تجتاح ذاكرتها ..تلك النظرة التي لمحتها في عيني قسم قبل مغادرته ..إنه لم ياتي على مدى اربعة اعوام منصرمة ..وعندما كانت والدته تشتاق لرؤيته تذهب إلى زيارته وزيارة شقيقها في الكوت ..ربما هناك شيء منعه غير دراسته ..نهضت جالسة على سريرها تحضن وجهها بباطن كفيها ..كيف سيكون الغد ؟؟…كيف اصبح قسم ؟؟..فقد نال شهادته الجامعيه ؟؟..ربما الخطة التي رسمتها سعاد لها لن تجلب لها النتائج التي توقعاها ..افكار كثيرة وهواجس قد اجتاحت مخيتها جاعلة منها تنام في وقت متاخر ثم لتصحوا على نداء عمتها نوفة لتهمها في مساعدتها في عمل الخبز كما اعتادوا صنعه كل يوم مع صياح الديك ..الذي ما ان سمعته وهرة مع صوت عمتها حتى ادركت انه اليوم الذي انتظرته ..انه اليوم الذي سياتي قسم ..فكيف سيكون اللقاء ؟؟

11


تاملت وجهها من خلال المرآة الصغيرة المعلقة على جدار حجرتها ..عينان واسعتان قد مال لونها إلى الاسود من خلال لمسات من الكحل الاسود الذي اضيف إلى ذاك الخال بين شفتيها الممتلئتين وانفها الصغيرليزيده من بروزه فيضيف رونق زاد من جاذبيتها ..استدارت يمينا وشمالا وهي تنظر نحو خصال شعرها المتموج الطويل الذي تركته بحريه مزينة له قرب اذنها اليمنى زهرة حمراء تضفي على وجنتيها حمرة بسيطة لتبدو اكثر جمالا ..هذا ما اعتادت عليه وهرة فعله بعد ان تنهي عملها المنزلي في الصباح لتلتفت إلى نفسها والعناية بمظهرها قبل عودة جوهر من المزرعة ..لكن اليوم غير تلك ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قسم وهرة

كتبها رشا عبد الكريم الصيدلي ، في 12 كانون الثاني 2011 الساعة: 10:54 ص

2
تقدمت بخطأ بطيئة نحو باب حجرتها حيث والدتها كانت قد سمعت جوابها بعد ان نادتها ..إنه باب خشبي بسيط ..فمنزلهم بسيط البناء ..طابق واحد ذو باحة في الوسط تحتل مركزشجرة البرتقال المخضرة رغم تساقط اوراق الخريف ..
" أمي .." قالتها بصوت خافت وهي تلمح تلك المراءة التي ما زالت تحتفظ بشبابها وهي جالسة على فراش من القطن ..فحجرتها بسيطة الاثاث ..نافذة مطلة على الحقل ..تستره قطعة من القماش البسيط المطرز ببعض الوان قوس قزح الذي يعم الفرح قلب وهرة عند مشاهدته منذ صغرها ..
فقد صنعته سلمى ..شقيقتها المتوفاة باناملها وقد فرحت به وهرة واصرت على ان يكون ستار لنافذتهما ..فقد كانتا تتشاركان الحجرة ذاتها ..ولم تشعر بالخوف والوحده إلا في الليلة الاولى التي لم تنم سلمى بقربها ..لان سلمى قد قتلت ولم يعد لها مكان في هذا العالم إلا قبرها الذي يكون في جانب من القرية ..حيث يزورها والديها من حين إلى أخر ..فقد مضى على قتلها ستة اشهر وقد اعتادت وهرة على جدتها التي شاركتها المكان خوفا عليها من الوحدة ومن شبح الليل الذي يرعب الاطفال والصبية ..
على جانب قريب من والدتها كانت حقيبة من القماش ممتلئة بملابس واغراض شخصية وتعلوها دمية من القماش والخشب العائدة لها ..إنها دمية صنعها تحسين لها واعطاها هدية قبل خمسة اعوام ..إنها صبية تحب العابها وتحب ان تحتفظ بها كذكريات جميلة لايام مضت وطوت الحياة طيتها عليها ..
لابد ان هذه الحقيبة وما فيها قد اعدتها لها والدتها ..ولكن لماذا ..أيمكن أن تحسين كان على حق ..وانه لم يكن يمزح معها كعادته او يكذب بشأن زواجها ..
-" تعالي وهرة " ..نادتها والدتها وهي تفتح ذراعيها تهمها على الاقتراب لحتضانها وعينيها تصب دمعا بغزارة وكانه سيل …أسرعت وهرة تلبية لوالدتها وهي تشعر مدى دفى احضانها ..
-" امي ..هل ساذهب بعيدة عنك ؟" قالتها وهرة وهي تهم بالبكاء …
-" يا ابنتي ..مصيرة كل فتاة ان تعيش بعيدة عن والديها .." ..قالتها وهي تحاول تهدئتها و امتلاك نفسها من ثورة البكاء التي على وشك اجتياحها "… والدك قد زوجك من قسم ..ذلك الشاب الذي سيذهب إلى المدينة لاكمال دراسته " ..قسم شاب في العشرين من عمره ..احب العلم واحب الدراسة …وقد اكمل المتوسطة التي لم يكملها شقيقاه حسام المقتول و جوهر الذي يبلغ من العمر ستة عشر عاما اللذان فضلا العمل في المزرعة ..وتلا المتوسطة بالاعدادية لينال معدل يسمح له دخول كلية الزراعة وهذا يعني لابد من مغادرة القرية والتوجه للكوت حيث مقر كلية الزراعة في المحافظة والتي تكون أقرب إلى قريتهم في العمارة( مدينة في جنوب العراق ) مقارنة من كلية الزراعة في بابل ( محافظة في جنوب العراق ) او بغداد ( عاصمة العراق ) . .. أنه شاب طموح ..وله اهداف كثيرة ..لكن زواجه من وهرة ..لم يكن هدف له ..بل فرض او عقبة اوقعته الحياة امامه ..هذا ما كان ينظر إليه …ورغم معارضته لهذه الحجرة العاثرة لم يكن صوته مسموع امام صوت والدته المطعونة في القلب التي كانت صاحبة فكرة هذا الزواج الذي تجد فيها شيء يهين عائلة وهرة ويخفف من المها وهي تستمتع بمذلتهم عبر ابنتهم ..
-" امي لكني ما زلت صغيرة …وانا لا اريد ان ابتعد عنك الان " ..قالتها وهي تمسح دموعها وهي تامل بكلماتها قد تغير قرار وقع عليها …

لكن هيهات ..فعقلها الطفولي أصغر من ان يدرك معنى الزواج من شخص لا يرغب بها ..او العيش مع قوم يضمرون الكره لنسبها ..فأي حياة وضعها القدر لوهرة …وان كانت تختار اللعبة لتلعبها وهي صبية فكيف الان ..إنها تدخل لعبة الكبار عنوة دون أي مقدمات .

3
بخطأ بطيئة متثاقلة دخلت وهرة بيت زوجها .. قسم ..إنه لا يسكن وحده بل يسكن مع عائلته ..انه بيت يختلف عن بيت والدها ..إنه بطابقين واثاثه متنوع رغم بساطته ..وباحة المنزل احتلته شجرة النبق التي تتساقط اوراقها من حين إلى اخر مع دخولهم لفصل الخريف ,فالشتاء لتبدو عارية مرعبة باغصانها الكثيفة ..
سارت وهرة خلف والدة قسم والتي اصبحت عمتها حسب العرف وهي متجهة نحو السلالم المصنوعة من الطابوق القديم ..وقد لمحت من احد اطراف الدار فتاتان متشابهتان ..إنهما توام صفا ومروه ..في السابعة عشر من العمر ..قد خطبا من قبل أولاد اعمامهما قبل مقتل شقيقهما الكبير ..حسام ..والذي على أثرهذه الحادثة قد أوجل الزواج الى إشعار أخر ..ولما علموا ان وهرة قد وصلت إلى منزلهما خرجتا من حجرة المطبخ ..علما ان من رافق وهرة ليس زوجها قسم وليس والدها بل جدتها التي ودعتها بالاحضان وهي تشاهد نوفة .. ام قسم ..تلك المرأءة البدينة المتشحة بالسواد تقف عند الباب ذات الحاجبان الكثيفان ولمحة الغضب المرسومة على ملامح وجهها بدقته التي توحي ناظره إنها أمراة متسلطة وليس من السهل التعامل معها ..
-" هل اكملتما صنع الخبز .." قالتها نوفة لابنتيها ..وهي تهم الصعود إلى السلالم ..
-" نعم امي .." قالتها صفا وهي تحدق مع شقيقتها نحو وهرة التي ارتدت فستان بني اللون مائل إلى البياض ..وقد جعلت من شعرها الاسود الطويل جدلة واحدة تتوسط ظهرها ..
وجدت وهرة صعوبة بعض الشيء في صعود السلالم ..فهي ما زالت صغيرة رغم توسط ساقيها ..كان الطابق الثاني مطل على باحة المنزل من خلال سياج خشبي ..اتجهتا إلى الحجرة على الجانب الشمال من السلم ..
إنها حجرة متوسطة الحجم ..يحتل احدى زواياها سرير خشبي يتسع لشخصين وضع عليه فراش من الصوف وزين بشرشف ازرق اللوان ..وعلى الجدار المقابل له علقت مرآة متوسطة الحجم تكفي لمشاهدة قرص الوجه والرقبة عن قرب ..
-" إنها حجرتك من اليوم فصاعدا "..قالتها نوفة ..وقد اشارت إلى وهرة بالدخول ..مضيفة بصوت فيه من الحدة والغضب "..أتعلمين ..لمن هذه الحجرة ؟؟" .
-"

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قسم وهرة

كتبها رشا عبد الكريم الصيدلي ، في 12 كانون الثاني 2011 الساعة: 10:51 ص

قسم وهرة : رواية بقلم رشا الصيدلي 

قسم وهرة

 


1
فتحت ذراعيها وكإنها تحاول احتضان قطرات المطر المتساقطة من سحب فرشت اجنحتها في سماء الظهيرة مانعة الشمس من ظهورها لهذا اليوم …
.أغمضت عينيها السوداء الواسعتين … رافعة راسها نحو السماء وبسمة عريضة تطوف على وجهها الطفولي مظهرة الغمزتين على وجنتيها ….إنها تدور حول نفسها وهي حافية القدميين على العشب الذي توزع على مساحة شاسعة من الحقل ..
ابعثت بتنهد وكانها تحاول اخراج نفس طويل لتليه استشاق هواء اكثر..
إنها وهرة …صبية ذات اثني عشرة ربيعا …لم تغادر يوما البسمة شفتيها وهي بين احضان الطبيعة ..إنها لا تعرف معنى الموت والحياة وما الحب والحقد ..لكنها تعرف معنى ان تغرد الطيور وما تهمس الاشجار بحفيفها وما يدوي الرعد بصوته الجبار …توزعت ضحكاتها الصبيانية في ارجاء المكان بين ظل الاشجار ..وقطرات الندى في سطح بعض الزهور الصغيرة التي توزعت على طرفي المجرى المائي الممدد لمزرعة والدها ( صادق جاسم ) .الذي لم يكن له اولاد إلا وهرة وشقيق يدعى (فراس ) يكبرها سبعة اعوام وشقيقة تدعى (سلمى )تكبرها اربعة اعوام ..رغم أنه تزوج بأمرئتين له من الاولى فراس وسلمى والثانية وهرة ..
جاء صوت من بعيد يناديها ..توقفت عن الدوران وعيناها ذات الاهداب الطويلة تبحث عن صاحب الصوت ..إنها تعرفه ..إنه تحسين ..إبن العم سلمان ..صبي يكبرها بعام عرفها منذ الصغر ..لعبا معا وتسكعا بين ارجاء المزارع المختلفة للمنطقة ..
اقترب تحسين بهرولته السريعة نحوها حتى توقف وقلبها ينبض دقات سريعة قائلا " وهرة ..سوف تتزوجين ب ( قسم ) ابن عشيرة جمار …لقد سمعت في القرية من احاديث الرجال في محل القهوة ..لقد وقعت تحت حكم الفصل " …
حكم الفصل ..هو حكم يكون بين عشيرتين متنازعتين ..يكون على العشيرة المعتديه اعطاء جزية او دية او شيء من هذا القبيل لصاحب الحق في العشيرة الاخرى لمحاولة ارضائهم او لعدم سكب دماء اكثر بين العشيرتين ..
-" ماذا يعني هذا ؟ " ..قالتها بصوت متردد خافت بعد ان غابت بسمتها واخذت تشعر بقطرات المطر كإنها حصا صغيرة توذي جسدها النحيل عند سقوطها عليه .
-" يعنى ستكونيين زوجة لقسم ..فبعد موت شقيقه حسام على يد اخيك ف
المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ورقة أمل ..قصة قصيرة

كتبها رشا عبد الكريم الصيدلي ، في 14 كانون الأول 2010 الساعة: 18:10 م

ورقة أمل

 قصة قصيرة بقلم رشا الصيدلي

 

 

 

وضعت رأسها بين أحضانه وغصة بكاء تملأ كيانها  ..كانا معا على سرير جمعهما منذ عام ..تحت سقف  شهدت أجمل اللحضات ..إبتدأ من ليلة زفافهما حتى جاء وقت تلبية نداء الوطن ..إنها  الحرب التي أُعلنت، تحمل منجلها وتقطف رؤؤس البشر، لتمتزج الدماء بالمياة وتضيع هبة الحياة .

كانت  الحجرة بضوء خافت في ليلة اختبأ القمر، خلف غيوم تنذر بقدوم الخريف  ..هل كان يخشى الظهور للعلن !..أم  هناك سرا لم يشأ الإطلاع عليه !

-" حبيبتي ..دعيني أنظر إلى عينيكِ " ..قالها بصوت هامس حنون .

رفعت رأسها بهدوء مبتعدة عن جلده الدافئ لتتشابك  ناظريهما، وفي عينيها  دموع ساخنة على وشك الفرار .

-" لا ترحل  "..أجابته برجاء يحمل حزنا ،خالته يشمل أحزان البشرية جمعاء .

لاحت على تقاسيم وجهه المليحة إبتسامة خفيفة ، مجيبا

-" لا أستطيع التخلف عن الواجب ".

-" من أجل طفلك الذي في أحشائي ..لا ترحل   " ..كان شيء في داخلها ينبأها ، أنه إذا رحل ،فلا عودة له .

-" لا أستطيع ".

-"أليس ولدك بغال عليك ! " ..سألته بصوت حزين مستنكر .

-" إنه كذاك ..لكن الوطن أغلى ..إن سُرق الوطن …سُرق ولدي " .

عادت تدس رأسها بين أحضانه قائلة "  سأسكب الدموع ..وأكتوي بنار الفراق حتى تعود "

كانت هذه ليلتهما الأخيرة قبل التأهب للسفر ، الذي ربما ستبات ذكرى على مدى أعوام ..أو إلى أمد الدهر ؟؟

لم تشعر وهو ينهض فجرا، يعد نفسه للرحيل ،لكنها مع إشراقة أول خيط للشمس  فتحت عينيها ، لتجده بكامل حلته ..بزيه العسكري وتلك النجوم على كتفيه ، كأنه رجل لامس الفضاء وأستمد من لا حدوده العطاء، وتقلد بسيف يجاور النجوم ، ليظهر عن شهامة أبت أن تكون إلا للشجعان ..

حاولت أن تنهض بخفة ، لكن ما تحمله في أحشائها أثقل عليها إنسيابها  .

وضعت على كتفيها رداء حريريا  ثم أسرعت الى أحضانه   ..همس في أذنيها " علي الذهاب ..سوف أتاخر "

رافقته إلى باب الدار التي تظللها شجرة الكمثرى بأوراقها الخضراء .

-" أوصيك بنفسكِ وبولدي ".

-" سأفعل ..لكنه مسكين لن يراني  أبتسم حتى تعود "

-"  لا تفعلي هذا ..فما دام الأمل موجود عليك الأبتسام " .

-" أريد أملا ملموسا .أريد أن تكون بقربي ".

نظر الى أعلى الشجرة  قائلا  " أنظري ..الأمل سيتجدد مع كل ورقة تسقط ".

-" لم أفهمك ! " .

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البريق الزائف

كتبها رشا عبد الكريم الصيدلي ، في 2 أيار 2009 الساعة: 12:21 م

البريق الزائف
1
استيقظت من نومها مذعورة . . . أنه الكابوس ذاته الذي يساورها منذ ثمانية عشر عاما ، أنها امرأة داهمت الأربعين من سنها فقد أظهرت سنين العمر التي قضتها أرملة مع أولادها الثلاثة( أسامة ، حنان و نشأت) التجاعيد في وجهها ويداها وبعض خصال شعرها القصير الذي تغلب عليه الزمن ليصبغه بلون الفضة ، لكن بالرغم من ذلك ما زالت تحتفظ بلمسة من الجمال مقارنة بالنساء اللواتي في عمرها . . التفت يمينا ويسارا . . أنها وحدها في هذه الحجرة الواسعة المضاءة ببعض ما يصلها من ضوء القمر في ليلة صافية مرصعة سمائها بالنجوم . نهضت متوجهة نحو النافذة وهي تجد صعوبة في التنفس . . ليس من هناك من يمنعها عن التنفس ولكنها اعتادت على هذه الحالة عندما تستيقظ من ذلك الكابوس . . فتحت النافذة ووقفت تستنشق الهواء الخارجي من خلالها . أخرجت تنهد من أعماقها كأنها تحاول أن تخرج معه حملا يثقل كاهلها . . امتلأت عيناها السوداء الكبيرتان بدموع ساخنة . . أزاحتها بيدها كي لا تتخذ طريقا إلى وجهها ذو البشرة الحليبية . .أشعلت مصباح كان بجور السرير ثم نظرت إلى الساعة . . كانت العقارب تشير إلى الثالثة وخمس عشر دقيقة . . ارتدت معطفا كان معلقا على عامود من النحاس الأبيض ثم خرجت من الحجرة،متوجهة إلى حجرة أخرى كانت بجوارها.
-” أمي . . كدت تفزعينني ” .
-” أسامة ! . . أعذرني لم أشاء أن أطرق الباب ظنا انك نائم. . “.كان متكأ على سريره يقلب بعض الأوراق.” . لقد جاوزت الثالثة صباحا وأنت مازلت تعمل !”.
-” غدا مرافعتي الأولى في هذه القضية . . وعلى أن أستعد لها كامل الاستعداد “.
-” أتمنى لك التوفيق يا عزيزي . . والآن يكفى تلك الساعات التي قضيتها أمام تلك أوراق، عليك أن تأخذ قسط من الراحة لتعطي عقلك فرصة أكبر في استيعاب ما ستواجهه غدا “.
-” حسنا . . أنت محقة . . هيا إلى النوم ” قالها مبتسما إلى (فخرية حارث) المرأة التي يراها ويراها الذين حولها المرأة الفاضلة لما بذلت من جهد وعناء في تولي أمور أولادها ورعايتهم بعد مقتل زوجها بالعيار الناري نتيجة دفاعه أمام سارق كان يحاول سرقة المنزل . . الجميع يكن لها الاحترام و التقدير لما تناظله . . فقد وهبت عمرها إلى أطفالها بعد الحادثة ولم تصغي إلى كلام الذين حولها في الارتباط ثانية بالرغم من تقدم عدة خطاب . . فقد كانت تملك من الجمال والفتنة ما يجعلها تنافس أي امرأة على الحصول أي رجل . لكنها أبت هذا واستمرت ترعى أولادها وتصرف عليهم على ما تدر المزرعة التي ورثتها من زوجها من الأموال إضافة إلى الأرباح الناتجة من الأسهم الذي اشتراها قبل وفاته من إحدى شركات الاستثمار التي جعلت من حياتهم رغيدة العيش .
-” نعم !” قالتها بعد أن سمعته يناديها. . عاد يشعل المصباح ويتكأ على سريره قائلا :-
-” لدي سؤال فكرت فيه عندما استلمت هذه القضية ، لكن لم أجد الإجابة الشافية له . .”
-” ما هو؟ . . أخبرني به فلعلني أساعدك في أيجاد الجواب الشافي “. قالتها بعد أن اقتربت منه وعلى وجهها ابتسامة خفيفة . . أنه أسامة الذي يلجأ إليها رغم انه تجاوز الرابعة والعشرون من عمره . . أنها ما زالت تذكر كيف كان منذ طفولته . . طفل وديع ثم ولد مشاغب بعدها شاب هادى و الآن رجلا يعتمد عليه يصرف على نفسه من ما يوفره له عمله كمحامي . يملك شخصية قوية لا يرضى بالظلم قط . . تذكر انه عندما كان في الخامسة عشر أحتج لأنها صفعت حنان دفاعا عن نشأت رغم انه هو السبب في الشجار.
-” حسنا . . برأيك ماذا فعل رجلا ليستحق أن يموت طعنا على يدا زوجته ؟ . . . هل أفزعتك بسؤالي ؟” قالها بعد أن لاحظ شحوب بشرتها و اصفرار ابتسامتها وكأن صاعقتا أصابتها لتجعلها جافله لا حراك .
-” كلا ، ولكن سؤالك فاجئني . . ” قالتها بعد أن حدقت بعينيه النرجسيتين التي ورثها من والده كأنها تحاول قراءة أفكاره.
-” نعم . . أنت محقة فمن يتخيل أن أمراه تقتل زوجها في مجتمعنا الذي يعد الدين ركيزته الأساسية المحافظة عليه من الأفكار الغربية “.
-” هل القضية التي تعمل عليها تخص هذه الجريمة ؟”
-” نعم . . أمراه تقتل زوجها بأداة حادة وتتداعى انه أنتحر ” .
-” وأنت . . لصالح من تدافع ؟”
-” لأهل القتيل الذين يطالبون بعقاب قاتلة أبنهم “.
-” ماذا لو أنها بريئة ؟”
-” كيف تكون بريئة وكل الشواهد والبراهين تثبت عكس ذلك ؟”.
-” أذن أنت تبحث عن السبب المقنع لارتكابها الجريمة رغم أنك ضدها؟ ”
-” نعم . .فمنذ استلامي هذه القضية وهذا السؤال يطرح نفسه علي . . ما الذي يجعل تلك المرأة تقتل زوجها علما انه رجل ثري وله مركز مرموق في المجتمع . . “.
-” وطباعه جيده ؟”
-” لست متأكد ، ولكن يقال والله أعلم انه يملك طباع سيئة “.
-” ألا تجد أن هذا سبب كافي لقتله ؟!”
-” كلا بالتأكيد .. أين العدالة أذن لو فعلت كل أمراه ما فعلته هي . . ربما سنمسي بعد عامين الرجل بعشرة نساء “.
-” أنت محق . . حسنا ربما الخيانة الرجل تعد سبب كافي لقتله ”
-” ربما . . و ربما دفاعها عن نفسها عندما تكتشف أنه عرف بأمر خيانتها له ”
-” ربما ” قالتها وهي تتلمس وجنته الحمراء . . أنها لا تريد أن تطيل النقاش معه لإحساسها انه سيتغلب عليها في النهاية .
-” حسنا أمي . . الساعة أشارت ألان إلى الرابعة وعلى أن أنام لغدو نشيطا في الغد . . ”
-” ألان أصبحت أنا من يمنعك عن النوم أليس كذلك ؟”
بادلته الأبتسامه ثم انصرفت بعد أن أسدت له قبلة على جبينه ، متمنية له نوم هانئ . . اتجهت إلى الحجرة المقابلة لحجرته وفتحتها . . أنها حجرة نشأت التي كانت حجرة حنان قبل أن تتزوج . . أقترب من السرير حيث هو نائم عليه . . أنه في مقتبل الشباب بلغ قبل أسبوع سن الثامنة عشر وهو على عكس أسامة في أغلب طبائعه . . متهور ، أناني ، وحاد ويرجع ذلك إلى طريقة معاملة والدته له . . فهو الولد المدلل الذي لا يرفض له طلب .
-” يا صغيري العزيز . . أه لو تعرف كم ناضلت لأجلك ” قالتها هامسة مع نفسها وهي تسترجع صورا ومشاهد من الماضي . . رجل ملقى على الأرض ينزف دما بأثر عيار ناري . . وأمراه شابة تحمل مسدس . . و رجلا أخر في السجن . . . عادت الدموع تغرغر في عيناها . . مسحتها من جديد وهي تحاول أن تغطي نشأت جيدا بالملاءة الموجودة على سريره . . قبلته من جبينه ثم خرجت متوجهة إلى حجرتها وقبل أن تفتحها حدقت نحو باب حجرة تقع في نهاية الممر . . أنها حجرتها السابقة التي تشاركت مع زوجها فيها قبل مقتله . .لقد مضى وقت طويل لم تدخلها فقد استبدلتها بحجرتها الحالية ولم تخرج منها غير ملابسها وحاجياتها . . وفجاءة سمعت صوت منبه الساعة الموجودة في الطابق الأرضي . . أنها ساعة عظيمة على هيئة كوخ . . كانت تشير إلى الرابعة صباحا . . توجهت إلى سريرها لتستسلم إلى النوم الذي بدا يتسلل إلى عيناها .
2
بعد مضي شهران على تلك الليلة . . أنظم أسامة إلى مائدة الغداء والسعادة تغمر قلبه فقد نجح في القضية التي تولها و أصدر حكم العدالة لصالح عائلة القتيل . .وعندما علمت فخرية سبب الفرحة الكبيرة التي أفضى بها لها ولشقيقه الذي شاركهم المائدة سألته قائلة بعد أن هنأته ” وهل من هناك من سبقني في معرفة هذا الخبر ” . . إنها تلمح على ( نور ) خطيبة أسامة التي أرتبط بها منذ سنة وهو بانتظار أن تكمل دراستها الجامعية . . فهي في المرحلة الأخيرة من كلية العلوم الإسلامية . . تعرف عليها عن طريق شقيقته حنان . . أعجب بها، ثم تحول إعجابه إلى حبا بعد أن أكتشف فيها المواهلات التي تمنى أن تملكها فتاة أحلامه من الأخلاق ، الثقافة ، الجمال و النسب . .عارضت والدته هذا الارتباط في البداية متعللة أن هناك فتاة افضل منها تستحق أن يرتبط بها، ولكن في النهاية رضخت لطلبه ووافقت عليها وتوجهت إلى بيت نور لخطبتها وتمت الخطبة وسيتم الزواج بعد أن تحصل نور على شهادة تخرجها .
-” نعم . . نور قد علمت بالأمر . . قد صادفت إنها اتصلت بي عند وصولي إلى المكتب بعد خروجي من المحكمة وقد أخبرتها بالآمر ” قالها مترددا شاعرا انه كان من الواجب أن تشاركه أولا أمه بالفرحة . . نظرت أليه وفي عينها تأنيبا على تصرفه . . أنها فخرية حارث بوجه أخر . . وجه أعتاد عليه من يحاول جرحها وتخطي حدوده معها . . البرود ونظرات ثاقبة كأنها سهام تتجه نحو عيني خصمها . . أن خصمها يمكن أن يكون أي شخص حتى أحد أولادها .
أسامة ونشأت يذكران هذا الوجه الذي ارتدته عندما أبدت حنان معارضتها على زوجها الذي تقدم طالبا يداها . . ورغم تذمر حنان ووقوف أسامة إلى جانبها إلى إنها في النهاية رضخت لأمر زواجها بعد أن صرخت فخرية في وجه حنان مهددا أيها بأنها ستكون السبب في شقاق هذه العائلة جاعلتا منها تشعر بضعف أمام كلماتها و بفقدانها الثقة بنفسها بالرغم من أنها تشبه والدتها بمظهرها الخارجي عندما كانت في سنها ،جميلة الوجه والابتسامة ، رشيقة القوام . . وعندما فقدت الأمل ترجت من أسامة أن يتوقف عن مساندتها ظاهرة له إنها وافقت من أعماق قلبها على العريس الذي اختارته لها والدته بدت فخرية حينها قاسية جدا وكأنها تملك قلب من صخر لا ينفطر على أنين أبنتها التي كانت تعارض هذا الزواج مطالبة في حقها أن تكمل دراستها الجامعية كبقية صديقتها. . ومنذ ذلك الوقت شعر أسامة وحنان بقسوة ذلك الوجه على خلاف نشأت الذي كان يراه كله عدلا وحكمة . . كيف لا يراه كذلك وهو المدلل لديها ؟ .
نهض أسامة من كرسيه ليتحاشى تلك النظرات متعللا انه قد شبع رغم انه لم يأكل إلا القليل من الطعام لكن فخرية استوقفته قائلة بصوت حاد ” أسامة . .ساعة الصالة معطلة خذها إلى المصلح”
أنه يدرك أن هذا الأمر يعد كنوع من العقاب ، لكنه لا يهتم إن عوقب بل يهتم بأن ينال سماحها فبالرغم من كل شيء هو يحبها ويرجو أن ينال رضاها . . هذه هي السياسة التي أتبعتها والدته في التعامل معهم .
-” أنها ساعة قديمه لم لا تبيعيها و تشتري ساعة حديثة الصنع ؟” قالها نشأت بازدراء . . هكذا هو يعشق الحديث من الأثاث والملابس على ( المودة ) .
-” لا أفكر في بيعها لأنها . . . ” سكتت ولم تكمل جملتها كأن شيء أسكتها وجعلها شاردة الذهن ، ممحوقة اللون . .لقد تذكرت شيء نسته منذ ثمانية عشر عاما . . بحثت عنه طيلة تلك المدة ولكنها لم تعثر عليه ، لكنها تذكرت ألان إنها وضعت ذلك الشيء في كوخ الساعة الذي يفتح سقفه . . أنه كوخ يتسع لوضع علبتان من التونة أو لذلك الشيء المفقود .
-” أمي . . هل أنت بخير ؟” قالها أسامة ونشأت بعد أن لاحظوا التغيرات التي طرأت عليها فجأة.
-” نعم . . أنا . . أنا بخير ” قالتها بصوت خافت. . ثم أضافت ” أسامة . . دعك من الساعة سأتولى أنا أمرها . .” نهضت متوجهة إلى الممر الذي يقاطع جميع حجر الطابق الأرضي حيث الساعة المسندة إلى أحد جدرانه . . توقفت أمامها تنظر إليها بإمعان . . كيف نست أمر هذه الساعة وهي تسمع دقات عقاربها على الدوام . . هذا ما فكرت فيه . . . سمعت خطوات أقدام ولديها تقترب منها . . أنهما في المنزل ويجب أن لا يروا ذلك الشيء أو يعرفوا بأمره . . التفتت إليهم مستفسرة عن سبب ملحقتها إلا أن نشأت اخبرها بأنهم ودوا أن يطمئنوا عليها، لكنها أظهرت لهم ابتسامة مصطنعة قائلة:-
-” أنا بخير. . كل ما هناك أنني . .”. . إنها تبحث عن عذرا لتغيرها الذي اكتشفت إن ولداها قد فطنا له . . وفجأة خطر لها هذا العذر مضيفة ” . . أنني تذكرت والدكما . . انه من جلب هذه الساعة وقد أسندها هو بيديه على هذا الجدار “.
-” عذرا أمي . . لا أظن أن نشأت كان يعني ما يقوله حول أمر بيعها . . أليس كذلك يا نشأت ؟”.
-” نعم ، بالتأكيد . لو علمت أن ذكرى والدي تسبب لكي هذه الآلام لما قلت لك هذا .. أعدك أنني من سيتولى أمر إصلاحها ؟”
-” لا . . لا تعدني بشيء . . قلت أنني من سيتولى أمرها . . وألان انصرفا إلى حجرتكما . . هيا. . أرغب في أن أختلي مع نفسي “.
تركاها أمام الساعة متوجهين إلى الطابق الأعلى وأثناء سيرهما في الممر الذي يؤدي إلى حجرة كل منهما قال نشأت بصوت لا تسمعه والدته ” ساعة تثير كل هذه الآلام !. . ماذا لو كانت كنبة . . يا الهي كانا ربما سنجلب لها طبيب ” . . أنه هكذا دوما ساخر من الذين حوله حتى لو كانت والدته .
-” نشأت . . عيبٌ عليك قول هذا “.
-” حسنا . . حسنا . . لا اقصد ما قلته . . كل الذي يثير سؤالي هو أن والدتي لم تتألم على أبي آلا عندما تذكرت الساعة . . ماذا عن حجرته التي لم نراها يوما تدخلها “.
-” وما أدراك بهذا ؟. . ربما تدخلها في غيابنا”.
-” لو كان هذا صحيح لرتبتها وأزالت تلك الأتربة المغطية لأثاثها “.
-” هل دخلتها ؟!”. . انهم لا يدخلون تلك الحجرة تنفيذا لأمراً والدتهما رغم أنهم طالما تمنوا رؤيتها منذ الصغر ومع الأيام وانشغالهم بأمور الحياة نسوا وجودها .
-” كلا لم أدخلها ولكنني رأيتها من خلال شرفتها . .سقوط الكرة على الشرفة هو الدافع الحقيقي لتسلقي جدار الحديقة للوصول إليها . .في البداية كنت راغب في جلب تلك الكرة ولكن بعد أن رأيت جزء صغير من ستائر بابها يمكن من خلاله رؤية داخل الحجرة . .رغبة الفضول انتابتني في رويتها . . لقد كانت مبعثرة ، أحد أبواب الخزانة مفتوح . . أنها حجرة مهملة أن لم تهتم بها أمنا ” قالها وهو يحدق في عيني أسامة ، ثم دخل حجرته تاركا إياه في دوامة من الأفكار والتساؤلات .
3
كان الوقت قد جاوز الثانية صباحا عندما نهض أسامة من سريره شاعرا انه قد فقد الرغبة في النوم . فبعد حديث نشأت عن حجرة والده تسلل الفضول إلى قلبه في رؤيتها فخرج من حجرته يسير بخطى بطيئة عازما على أتباع الطريقة التي تبناها نشأت دون أن يعلم به أحد حاملا (نعليه) بيديه ، وبينما هو يحاول الهبوط من السلم لمح والدته واقفة قرب الساعة تحاول إخراج شيء من كوخها . . ظل يختلس النظر بوضوح دون أن تشعر بوجوده حتى أخرجت ذلك الشيء الذي نوت إخراجه تحت ستار الليل عندما يكون ولداها في سكرة النوم . . لكن القدر حال عن تفكيرها فساق لها أسامة ليرى الشيء الذي وجدته بعد تلك الأعوام المنصرمة .
تسارعت نبضات قلبه وجف ريقه عندما أيقن ما تراه عينيه . .والدته تحمل مسدس . .لقد ميزه رغم الإضاءة الخافتة . . أنه لا يرى ذلك الشيء إلا في المحاكم عندما يستخدم كدليل قاطع على الجريمة لكنه الآن يراه في يد والدته . .لم يفكر حينها إلا بالهرب ليس خوفا من المسدس بل خوفا من حامله كأنه نكر تلك المرأة وبدت له أمراه لا يعرفها اقتحمت منزله لتأخذ شيء يعود إليها . . عاد إلى حجرته دون أن تكشف وجوده . .أغلق بابه بهدوء وتوجه إلى سريره مباشرة . . كان يصب عرقاً ويداه وبقية أشلاء جسده ترتعش ليس فقط ما رآه منذ لحظات بل ما تذكره منذ صغره من مشهد ظن أنه كابوس لا يمس الواقع بشيء ، لكنه الآن أيقن انه لم يكن كذلك بل كان حقيقة مؤلمة يصعب العقل تصديقها . .كانت صورٌ التقطتها عدسة عينيه وحفظها عقله في البوم من الذكريات . . صورٌ لشابة جميلة تحمل مسدس موجها نحو صدر رجل في مقتبل الشباب . . فتح عينيه وهي مغمورةٌ بالدموع وهمس بكلمات ثم فقد وعيه وهذه الكلمات كونت سؤال هو ” لماذا قتلتي والدي يا أمي ؟” .
4
أستيقظ أسامة على صوت نشأت الذي يردد أسمه طالبا منه النهوض . . نظر إليه مستغربا ثم التفت يمينا ويسارا سائلا إياه عن والدتهم فأجابه إنها في المطبخ تعد الإفطار كالعادة ثم أضاف قائلا وهو يتلمس جبين شقيقه ” هل أنت بخير! ” .
-” نعم . . لماذا هذا السؤال ؟”
-” يبدو لي أنك لم تنام الليل ؟”
-” في الحقيقة أجهل أن كنت نام أم لا ! ” أن الشك يراوده في أن ما رآه ليلة أمس كان حقيقي أم مجرد كابوس . . ففقدانه لوعيه يعد كستار يجهل ما خلفه .
وبعد مرور لحظات دخل إلى المطبخ وجلس حول المائدة بعد أن ألقى تحية الصباح وسمع ردها من والدته . . أخذ يراقبها . . بدت طبيعية ، نشيطة وكأن نومها المتأخر ليلة أمس لم يعيقها عن النهوض مبكرة . . التفت إليه مبتسمة قائلة :-
-” أظن نشأت قد عداك في النهوض متأخراً . . ”
-” كلا . .كنت متعب وبحاجة إلى النوم ” قالها مبتسما كأنه شعر أن ما رآه ليلة أمس كان مجرد كابوس راوده في نومه . .وبينما هو على وشك الخروج من المطبخ بعد أن انتهى من الإفطار سمع والدته تنطق باسمه . . التفت إليها ملبياً ندائها. . ” أسامة . . لما لم أنت حافي القدمين ! ” قالتها وهي تنظر إلى قدميه . .
-” كان النوم في عيني ولم أنتبه إلى ذلك . .”
-” حسنا . . أرتدي ( نعليك) أنه في خزانة الأحذية الموجودة قرب الباب ” قالتها وهي تنهض من المائدة متجهة إلى المغسلة .
-” لم أضعه هناك ! ”
-” أنا من فعل . .فقد وجدته صباح اليوم قرب السلم ”
-” في الطابق العلوي ! ”
-” نعم ” وقع جوبها على رأسه كصاعقة جعلته يقف صامتا لا حركة فيه محقا نحو والدته . . لقد أيقن ألان أن ما رآه كان حقيقة لا شك فيها . . نظر إليه نشأت الذي لم ينتهي من إفطاره بعد وعلى وجهه علامة الاستغراب قائلا :-
-” ماذا جرى لك يا أسامة ، لما تحدق في أمي هكذا ” التفت فخرية إلى ولداها مستغربة لما تسمع من نشأت ومن نظرات أسامة نحوها . . اقتربت منه ووضعت يداها على كتفيه قائلة :-
-” هل أنت بخير . . ” كأن يشعر انه كقطعة من الثلج عاجزا عن التحرك ، لكنه في النهاية استطاع الرجوع إلى الخلف عدة خطوات مبتعدا عن يدي والدته قائلا بصوت مضطرب :-
-” نعم . . ” أسرع مباشرة إلى حجرته واغلق بابه بالمفتاح تاركا خلفه والدته وشقيقه في حيرة من أمره. . . تذكر النقاش الذي دار بينه وبينها منذ شهرين عندما سألها عن الدافع الذي يجعل من امرأة تقدم على قتل زوجته . . أخذ قولها ” ربما الخيانة الرجل تعد سبب كافي لقتله ” تتردد على مسمعه عدة مرات . . أيمكن إن والده أقدم على خيانة والدته وهي بدورها قتلته . . ولكن أن كان هذا صحيح فلماذا عندما تتحدث عنه تذكره بالخير وترسم له صورة جميلة أمامهم . . أيمكن إنها ندمت على ما ارتكبته ، ولكن أين العدالة في هذا ؟ . .هذا ما فكر فيه أسامة . . وفجأة جاءت فكرة أخرى في رأسه . . فكرة ماذا لو إن والده أكتشف أن والدته تخونه مع أخر وأنها قتلته دفاعا عن نفسها . . أذن والده ضحية لا يستحق ما جرى له . . استمرت الأفكار السوداء تنهال عليه من كل الجهات وهو غارقاً فيها لا يعرف ماذا يفعل . . وفي النهاية توصل إلى أن يبدأ بأول خطوة لكشف الحقيقة وهي أن يجد المسدس الذي كانت تحمله والدته ، لكن عليه أن يتصرف طبيعيا كي لا تشك في انه رآها تخرجه من المكان الذي خبأته فيه.
خرج من حجرته بعد أن قضى عدة ساعات فيها غالقا بابها ومن خلفها كانت والدته وشقيقه يحاولون من حين إلى أخر أن يفتح لهم الباب ليطمئنوا عليه ، لكنه كان يعتذر عن ذلك متعللا انه يريد الاختلاء مع نفسه . .
-” أسامة . . “قالتها والدته وهي تعانقه بعد أن رأته يدخل حجرة المعيشة التي كانت جالسة فيها ” . .هل أنت بخير يا عزيزي ؟”
-” نعم ” قالها وهو يتمعن ملامح وجهها المتسائل عما يحدث له .
-” لقد أثرت قلقنا . . ماذا حدث لك ؟”
-” كما أخبرتكم . . كنت بحاجة إلى الاختلاء مع نفسي قليلا . . لا أرى نشأت ! ”
-” لقد خرج مع صديقه الذي أرد أن يصطحبه في نزهة . . أسامة لا تتهرب مني . . إنها المرة الأولى التي أراك فيها بهذا الحال ! ”
-” أي حال ؟”
-” مضطرب ، شاحب اللون . . باختصار . . ماذا يجول في رأسك ؟” قالتها وهي تتفرس ملامح وجهه المضطرب . . أنه فاقد قدرة التحكم على ملامحه لان مجرد فكرة إن والدته يمكن أن تكون قاتلة والده تجعله يخالها تمثل عليه الوالدة الحنونة التي لا تستطيع تحمل آلام ولدها .
-” أعدك أنني سأخبرك ، لكن ليس ألان . . ” قالها وهو يتمعن النظر في عيناها المتوهجة ببريق أرتعش منه . .
4
صوت الرعد يدوي المكان وضوء البرق يشق نيون مضيء في عباءة الليل الممتلئة بالغيوم المحملة بالمطر. . أنها ليلة من ليالي الشتاء الطويل ، والساعة قاربت الثالثة صباحا حيث يكون الناس في فراشهم الدافئ ينعمون بالنوم العميق . . لكن أسامة رفض النوم هذه الليلة أو أن النوم رفضه فقد خرج من حجرته يسير على أطراف أنامله ، عازما على التوجه إلى الساعة لعله يجد المسدس الذي ربما لم تغير والدته مكانه . . لكن ظنه خاب، فالمسدس لم يكن هناك ، عندها أخذ يفكر إن والدته ربما خبأته في حجرتها لكي لا تصل أليه يد إلى يداها . . بالتأكيد تفعل ذلك وهو سلاح جريمتها . . أفكارا أخرى داهمت رأسه وهو واقفا نفس وقفة والدته ليلة أمس . .والفرق بين الوقفتين أن الأولى تعود لشخص يعرف ما حدث ليلة الحادث والأخرى لشخص يجهلها ويريد أن يكتشف ما حدث بنفسه . . جلس على الأريكة محاولا ترتيب أفكاره بعد أن شعر أنه في دوامة عظيمة . . و فجأة اتجهت عيناه إلى خزانة الأحذية حيث( نعليه ) الذي لم يخرجه منها . . لما لا يستغل نوم والدته وشقيقه ويذهب إلى رؤية حجرة والده . . هذا ما فكر فيه حينها ولم يلبث إلا لحظات حتى جلب من خزانة الأدوات الاحتياطية سلك معدني يستخدمه في فتح باب الشرفة . . فقد أيقن أنه قد يصدر صوتا إذا حاول فتح باب الحجرة باستخدامه لذا عليه أن يدخل الحجرة من خلال فتح باب شرفتها ، ورغم صعوبة الظروف الطبيعية المحيطة به من انهمار الأمطار وبرودة الجو إلا أنه لم يستسلم واستعان إلى عضلاته المفتولة في تسلق الجدار وصولا إلى الشرفة . .أدخل السلك المعدني في الموضع الذي يدُخل فيه المفتاح وبدء يحركه يمينا وشمالا عدة مرات . . لم يشعر ببرودة الجو أو تبلل شعره وملابسه بالمطر الذي ينهمل عليه فكل ما كان يشغله هو فتح ذلك الباب اللعين الذي خلفه أشياء يتوق إلى رؤيتها بعينيه النرجسيتين . .وما هي إلا لحظات حتى تمكن من فتح الباب . . شعر برعشة تجتاح جسده جاعلتا منه يشعر بنوع من الخوف . . الخوف مما يمكن إن يراه في تلك الحجرة . . أنها الحجرة التي قتل بها والده . . تسلل بخطوات بطيئة نحو وسط الحجرة بعد أن استطاع أن يميز السرير وقطع الأثاث الأخرى بواسطة شمعة البرق التي تنير السماء من حين إلى أخر في هذه الليلة الممطرة . . أشعل مصباح كان بالقرب من السرير . . نظر بعينيه نظرة شملت ما حوله ثم توقفت عند لوحة معلقة على أحد الجدران . . أنها صورا لوالده وهو يعانق والدته في حفل زفافهما . . أقترب منها متمعناً إياها . . كان يمكنه وكذلك لأي شخص أخر أن يتنبأ لهما السعادة عندما يرى الابتسامة المرتسمة على وجهيهما. . ولكن ما الذي حدث بعد مرور ثماني أعوام لينتهي هذا الزواج إلى ما هو عليه . . هذا ما فكر فيه . .وهو يلاحظ الشبه الكبير بينه وبين والده من حيث بعض ملامح الوجه ، لقد كان والده يبلغ الخامسة والعشرون ووالدته تبلغ الرابعة عشر من سنهما عندما التقطا هذه الصورة . . أن والدته حقا كانت جميلة عندما كانت شابة وربما شعر والده حينها انه إنسان محظوظ بالارتباط بها . ومن الصعب تخيل إن هذه المرأة الرقيقة يمكن أن تتحول إلى وحش يفترس والده . ولكن ليس من هناك شيء أسمه مستحيل .
5
عاد أسامة إلى حجرته بعد أن استطلع على تلك الحجرة ، ولم يجد شيء يؤكد له شكه ، لكنه لم يفكر في أبعاد هذا الشك عن عقله بل زاده إصرارا في معرفة ما حدث ليلة الحادثة . . وفي صباح اليوم التالي نهض من سريره حالما شعر بوقع أقدام والدته في الممر وهي تحاول التوجه إلى الطابق الأرضي حيث المطبخ كعادتها . . فهو لم يذق طعم النوم في ليلة أمس وقضى الوقت في التفكير والتخيلات التي اجتاحت عقله حينها . . وبينما هو يخرج من حجرته داهمته فكرة تفتيش حجرة والدته ألان بينما هي منشغلة في أعداد الفطور ، لكنه تراجع حذرا من أن يكتشفه نشأت أو أن الصدفة قد تقود والدته في الصعود إلى حجرتها لسبب ما وفي النهاية فكر في وقت تكون والدته وشقيقه خارج المنزل ولا تتحقق هذه الفرصة إلا في الوقت الذي تذهب فيه إلى زيارة شقيقته حنان حيث تقضي معها عدة ساعات وان يصادف هذا الوقت انصراف نشأت إلى ثانويته . . وبالفعل طرح على والدته فكرة زيارة حنان للاطمئنان على حملها ووافقت للفكرة .
6
حجرة مرتبة وذات أثاث منسق . . أنها حجرة والدته . . فقد عاد إلى المنزل بعد هاتف تلفونهم وأدرك من عدم وجود شخص في المنزل يرد عليه وبهذا أقفل راجعا للمنزل بعد خروجه منه لفترة قصيرة . . . توجه مباشرة إلى الخزانة أخذ يفتش فيها بدقه لكنه لم يرنو إليه ثم أنصرف إلى الأدراج والخزانات الصغيرة المجاورة للسرير لكنه لم يجد شيء أيضا . . . اخذ يلتفت إلى ما حوله سائلا عقله أين يمكن لوالدته أن تضع المسدس . . وفجأة توقفت عيناه نحو صورتاً لوالدته معلقة على أحد الجدران وقد التقطتها بفستان الزفاف . . أقترب منها وأثر الدهشة على وجهه . . أنها نفس الابتسامة والنظرات والوقفة والحركة . . أنها نسخة للصورة التي شاهدها ليلة أمس في حجرة والدة ولكن أين صورة والده ما كل هذا ؟ . . كان من المفترض أن يكون بجوار عروسه كما في تلك الصورة . . أيمكن أن تكون والدته قد قطعت الجزء الآخر من الصورة الخاص لوالده ؟. . هذا ما سيكتشفه إذا أزال الإطار الذي حولها . . لكنه عندما رفع الصورة جاءته مفاجئة لم تخطر على باله يوما . . وربما لا تخطر على بال شخص لا يتابع الأفلام السينمائية فكرة وجود خزانة حديدية في الجدار خلف الصورة . . لم تعد الصورة تشغل حيز من الفضول بالنسبة لأسامة بقدر فضوله لمعرفة ما تحوي تلك الخزانة وهل يمكن لوالدته قد احتفظت بالمسدس داخل هذه الخزانة ؟. . أنها خزانة مقفولة بعدد معين من الأرقام يمكن فتحها إذا حرك تلك الأرقام على مؤشر العجلة الموجودة على بابها ، والمشكلة تكمن هنا طرقت في باله فكرة تاريخ مواليد والدته فتاريخ مولدها يعد من التواريخ التي على باله وعلى بال نشأت وحنان . . فهو يذكر كيف فاجئوا والدتهم في العام الماضي بعيد مولدها وقد أقتنى وشاح كهدية لها بهذه المناسبة . . . أخذ يحرك الأرقام المكونة له ، لكنه لم ينجح . . رغم صعوبة الآمر إلا أنه لم ييئس . . فكر في تاريخ مولده كتاريخ أول مولد أول ولدها البكر ، لكنه لم ينجح أيضا . . وماذا عن تاريخ مولد نشأت الذي مر قبل مدة وجيزة . . أخذ يجرب أرقامه وإذا به تمكن من فتح الخزانة . . شعر بنوع من السعادة لتخطيه هذه المهمة بسهولة . . كانت الخزانة مكونة من رف ودرج . . ومن حسن حظه أن الدرج يفتح دون الحاجة إلى مفتاح . . توجهت يداها مباشرتاً نحو الدرج . . فتحه وكان كما توقع . . المسدس موضوع فيه أراد رفعه لكن يداها لم تستجرأ . أنه أداة الجريمة التي استخدمته والدته لقتل والده وعليه بصماتها أن صح شكه . . أنه حتى ألان لم يعر لما شاهده في طفولته أهمية تجعله موقن لإدانتها . ذلك لاعتقاده بعدم وجود جريمة كاملة . . رفع المسدس بأحد المناديل الورقية وعاد يقفل الخزانة من جديد. . وضع المسدس في الحقيبة وخرج من المنزل متجها إلى أحد أصدقائه الذين يعملون في قسم الجنايات . . أنه يريد أن يعرف قطر فوهة المسدس والتأكد من البصمات الموجودة عليه .لكن صديقه قد أخبره بقطر الفوهة وأن خزينة طلقاته ينقص لرصاصتين يمكن إنها أطلقت سابقا أما بالنسبة للبصمات الموجودة عليه فهذا يتطلب يومان على الأقل لكشفها ومطبقتها للبصمات التي سيجلبها له أسامة . . وفي هذا الوقت الذي تستغرقه كشف البصمات ومطابقتها فكر أسامة في قراءة ملف القضية الخاصة لوالده والتي أقفلت ضد مجهول ، وذلك معاونة أحد أصدقائه أيضا الذي يعمل في هذا المجال .
7
كانت شمس الشتاء ساطعة في سماء الصباح ، والساعة تشير إلى الحادية عشر عندما رن جرس الهاتف في منزل فخرية . . رفعته . . جاءها صوت ناعم لفتاة يقدر عمرها عشرون . . إنها نور المتصلة . فقد مضى أسبوع كامل ولم يزورها أسامة أو يتصل بها كعادته مما جعلها تشعر بالقلق . . فهو لم يخبره بالذي يشغله علماً منه أنه أمر خاص جدا ولا يجب لأحد أن يطلع عليه .
-” أهل المزيد
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي